حين يُستَخدم الدين كورقة انتخابية
مقترحات حظر تحويل الكنائس إلى مساجد قد تنتهك مبادئ الحرية الدينية
- محمود الشاذلي
- 24 فبراير، 2026
- تقارير
- الحرية الدينية, الكنائس, المملكة المتحدة, تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد, قضايا الهوية والدين, مساجد
الرائد: أعادت تصريحات قيادي بارز في حزب Reform UK بشأن منح الكنائس حماية قانونية خاصة ومنع تحويلها إلى مساجد أو دور عبادة أخرى، إشعال نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والحقوقية في بريطانيا. التصريحات جاءت في إطار طرح انتخابي يتضمن التأكيد على “حماية التراث المسيحي” ومنح الكنائس صفة قانونية تحول دون تغيير استخدامها الديني، إلى جانب مقترحات متشددة في ملف الهجرة.
هذا الطرح لم يأتِ في فراغ، بل في سياق صعود التيارات القومية والمحافظة في أوروبا، حيث أصبحت قضايا الهوية والدين والهجرة عناصر مركزية في الحملات الانتخابية. ومع تصاعد المنافسة السياسية، تتحول الملفات ذات الحساسية الرمزية، مثل دور العبادة، إلى أدوات خطابية تعكس توجهات أوسع تتعلق بتعريف الهوية الوطنية ومستقبل التعددية داخل المجتمع.
الإطار القانوني لحرية الدين في بريطانيا وأوروبا
حرية الدين في بريطانيا ليست مسألة عرف اجتماعي فقط، بل مبدأ محمي ضمن منظومة قانونية راسخة. فالمادة التاسعة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تكفل حرية الفكر والضمير والدين، بما يشمل حرية تغيير الدين وممارسة الشعائر علنًا أو سرًا، فرديًا أو جماعيًا. وعلى الرغم من الجدل السياسي حول العلاقة مع المنظومة الأوروبية، فإن هذه المبادئ ظلت مرجعية قانونية لعقود.
إضافة إلى ذلك، يحظر قانون المساواة البريطاني التمييز على أساس الدين أو المعتقد. ويعني ذلك أن أي تشريع يمنح حماية دينية حصرية لفئة معينة دون غيرها قد يواجه تحديات قانونية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون. فالقانون لا ينظر إلى دور العبادة من زاوية الهوية الثقافية فقط، بل من زاوية الحقوق الأساسية المتساوية بين المواطنين.
من هنا، يطرح خبراء قانونيون تساؤلات حول مدى إمكانية تمرير تشريع يمنع تحويل كنيسة إلى مسجد تحديدًا، في حين لا يفرض القيود ذاتها على تحويلها إلى استخدامات تجارية أو سكنية. هذا التمييز المحتمل بين الأغراض الدينية والأغراض غير الدينية قد يفتح الباب أمام طعون قضائية معقدة.
شهدت بريطانيا خلال العقود الماضية تراجعًا ملحوظًا في أعداد مرتادي بعض الكنائس، ما دفع جهات محلية إلى تغيير استخدام عدد من المباني الدينية. تحولت كنائس إلى مطاعم، مكتبات، شقق سكنية، مراكز ثقافية، بل وحتى صالات رياضية، دون أن يثير ذلك عاصفة سياسية مشابهة.
غير أن الجدل يحتدم عندما يكون التحويل إلى مسجد. هنا يتحول النقاش من مسألة تخطيط عمراني أو إدارة أصول عقارية إلى قضية هوية وانتماء. هذا التباين في ردود الفعل يدفع منظمات مدنية إلى التساؤل: هل القضية تتعلق بحماية التراث فعلًا، أم بالخوف من التحول الديموغرافي والديني؟
المدافعون عن حرية العبادة يرون أن حماية التراث يجب أن تُطبّق بمعايير موحدة، فإذا كان الهدف الحفاظ على القيمة التاريخية والمعمارية، فإن ذلك ينبغي أن يشمل جميع المباني بغض النظر عن الجهة التي ستستخدمها، مع الالتزام بضوابط الحفاظ على الطابع المعماري.
المساهمة الاقتصادية للمسلمين في بريطانيا
بعيدًا عن الجدل الرمزي، يبرز بعد اقتصادي مهم في النقاش. المسلمون في المملكة المتحدة يشكلون أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، أي ما يزيد على ستة في المائة من السكان. هذه الكتلة السكانية ليست هامشية في الاقتصاد الوطني، بل تمثل عنصرًا فاعلًا في قطاعات متعددة.
تشير تقارير اقتصادية إلى وجود آلاف الشركات المملوكة لمسلمين في مجالات التجزئة، والخدمات، والتكنولوجيا، والصناعات الغذائية، والخدمات المالية. كما يحضر المسلمون بقوة في قطاع الرعاية الصحية، حيث يعمل عدد كبير من الأطباء والممرضين والصيادلة من خلفيات مسلمة ضمن منظومة الخدمة الصحية الوطنية.
إلى جانب ذلك، تسهم الضرائب التي يدفعها المواطنون المسلمون في تمويل الخدمات العامة، كما أن معدلات ريادة الأعمال داخل المجتمع المسلم تُعد من الأعلى بين بعض الأقليات الدينية. هذه المعطيات تجعل من اختزال الجدل في إطار “صراع هوية” تجاهلًا لدور اقتصادي واجتماعي ملموس.
منظمات مدافعة عن الحريات الدينية شددت في بيانات وتعليقات عامة على أن حماية التراث لا ينبغي أن تتحول إلى أداة تمييز ديني. وأكدت أن أي سياسات عامة تتعلق بدور العبادة يجب أن تلتزم بمبدأ المساواة، وأن تُصاغ بلغة قانونية محايدة لا تستهدف فئة بعينها.
بعض المنظمات الحقوقية الدولية تشير إلى أن حرية الدين ليست مجرد حق فردي، بل عنصر أساسي في استقرار المجتمعات الديمقراطية. وعندما يُشعر جزء من المواطنين بأن حقوقهم الدينية موضع استثناء أو تقييد خاص، فإن ذلك قد ينعكس على الثقة في المؤسسات العامة.
في هذا السياق، يحذر مراقبون من أن الخطاب السياسي الذي يربط الهوية الوطنية بدين واحد بشكل حصري قد يعمق الاستقطاب، خصوصًا في مجتمع متعدد الثقافات كالمجتمع البريطاني.
من المفارقات التي أشار إليها عدد من المعلقين أن صاحب هذه التصريحات مسلم ومن أصول مهاجرة. هذه المفارقة تضيف بعدًا سياسيًا معقدًا للنقاش، إذ يرى البعض أن الأمر يعكس محاولة لإعادة تعريف الخطاب المحافظ من داخل خلفية دينية مختلفة، بينما يعتبر آخرون أن الانتماء الديني الشخصي لا يغيّر من طبيعة المقترحات أو آثارها المحتملة.
في كل الأحوال، تبقى المفارقة عنصرًا مثيرًا للنقاش العام، لكنها لا تحسم الجدل القانوني أو الحقوقي. فالمعيار في تقييم السياسات يظل هو مدى انسجامها مع مبادئ المساواة والحرية، لا الخلفية الشخصية لمقدمها.
البعد الانتخابي وصراع الهوية
تأتي هذه التصريحات في مرحلة تتسم بحراك سياسي نشط، حيث تتنافس الأحزاب على كسب شرائح مختلفة من الناخبين. قضايا الهجرة والهوية الوطنية غالبًا ما تكون من أكثر الملفات قدرة على تعبئة القواعد الانتخابية، سواء عبر خطاب التخوف أو خطاب الطمأنة.
ربط حماية الكنائس بمنع تحويلها إلى مساجد يضع القضية في إطار رمزي قوي، لأنه يمس صورة المجتمع وتكوينه الديني. غير أن هذا الربط قد يؤدي أيضًا إلى توسيع فجوة الاستقطاب، خاصة إذا شعر المواطنون المسلمون بأنهم مستهدفون بشكل غير مباشر في النقاش العام.
الخبراء السياسيون يشيرون إلى أن استخدام القضايا الدينية في الحملات الانتخابية قد يحقق مكاسب قصيرة الأمد، لكنه يحمل مخاطر طويلة الأمد تتعلق بالتماسك الاجتماعي.
لا يوجد أخبار ذات صلة.