دور العلماء في نهضة الأمة ومواجهة الاستبداد والاستعمار

حوار مع د حاتم عبد العظيم

أجري الحوار : أسامة أبو ظهير مع د حاتم عبد العظيم الداعية واستاذ أصول الفقه

نغوص اليوم في أعماق التاريخ لنناقش دور العلماء، وكيف كان لهم الأثر الحقيقي في نهضة الأمم والشعوب ومواجهة الاستعمار. هل يقتصر دور العالم على الوعظ والتوجيه والإرشاد فحسب، أم أن عليه واجبات أعمق، خاصة إذا لم تستجب الشعوب؟ وهل يتحرك العالم ليقود الأمة في اللحظات الفاصلة؟

وظيفة العلماء: ورثة الأنبياء وأمانة البيان

س: هل يقتصر دور العالم على الوعظ والتوجيه فحسب، أم أن عليه واجبات أعمق لقيادة الأمة؟

ج: عبر التاريخ، كانت وظيفة العلماء، بين قوسين: الأحبار والربانيين، هي مساندة سادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فكانوا أعوانهم، يتولون نقل الدعوة ونشرها وتعليم الناس إياها وتثبيتهم عليها، لأن الأمة أكبر من أن يستوعبها رجل واحد بمفرده.

وقد انتقلت هذه الوظيفة في النسختين المحمدية والقرآنية من مجرد حفظ النص إلى حفظ فاعلية النص وتطبيقه في الأرض. فالعالم ليست وظيفته إلقاء الخطب فحسب، بل عليه قيادة الأمة وتحريكها.

وعمود هذه الوظيفة هو “البيان”، كما قال الله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. فحيثما كان هناك حكم شرعي، وجب على العلماء القيام بالبيان، وتسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة، والصدع بكلمة الحق حتى تصل إلى آحاد الناس.

المواقف التاريخية الفاصلة للعلماء أمام الحكام

س: هل سجل التاريخ مواقف فاصلة للعلماء أمام الحكام في اللحظات الحرجة؟

ج: نعم، فالمدرسة العلمية عبر التاريخ رأت نفسها مسؤولة عن ضبط حركة الحكام والإنكار عليهم في صغار المسائل وكبارها، وليس فقط في المواقف التي عليها مدار الدين والدنيا.

ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في زمن تيمورلنك؛ فقد أفتى في أحد مجالسه بأن “مسألة النسب مقدمة على مسألة العلم”، فاختلجت هذه الكلمة في الصدور. فدعا عالم زمانه شمس الدين ابن مفلح.

فنزع الإمام قميصه ووقف عاري الصدر قائلاً: “إن مقام العلم مقدم على مقام النسب، وإن ديننا لا يعرف تقدم النسب، بل يعرف تقدم العلم والعمل”.

ولما سأله تيمورلنك عن سبب نزع قميصه، أجابه: “تهيأت للقاء ربي”. فهذا الاستعداد للموت في سبيل مبدأ يمنع الحكام من الجرأة على كبار الأمور.

وهناك ثنائيات تاريخية بديعة، مثل موقف عمر بن عبد العزيز مع محمد بن كعب القرظي، وأبي جعفر المنصور مع أبي حازم، وهارون الرشيد مع الإمام الأوزاعي.

فعندما دخل هارون الرشيد على الإمام الأوزاعي، أطفأ السراج واختبأ كراهية للقائه. فلما وجده الرشيد وقال له: “أتتنّع منّي وإن لي عليك طاعة واجبة؟”، رد الأوزاعي: “إن بيني وبينك أحد أمرين: إما أن تأخذ من ديني فتنقص من أجري، أو آخذ من دنياكم فأحمل من أوزاركم”.

ولما عرض عليه الرشيد قضاء دينه، قال: “أما حاجتي فإلى الله، وأما ديني فعلى الله، وأما دنياكم فلا أريد شيئاً منها”.

دور العلماء في توحيد الأمة ومواجهة التفرق المذهبي

س: عندما تمر الأمة بمواقف الانكسار، هل كان دور العلماء يتجاوز البيان إلى الفاعلية الميدانية؟

ج: نعم، تكرر ذلك كثيراً. فعندما يرى العلماء فرقة في الأمة، يرون أن واجبهم جمع كلمتها.

فقد وجد الإمام صلاح الدين الأيوبي رحمه الله الأمة ممزقة تمزيقاً شديداً بسبب الفرقة المذهبية في الفقه والعقيدة. فأراد أن يتجاوز بالأمة هذا المستوى عملياً، فدعا شيخ الحنابلة في زمانه، موفق الدين ابن قدامة المقدسي.

وهنا نرى صلاح الدين الشافعي الأشعري يدعو ابن قدامة الحنبلي السلفي، وهما نقيضان في المذهب الفقهي والعقدي، وطلب منه أن يؤلف كتاباً يجمع المذاهب، يورد فيه أقوال الأئمة وأدلتهم، ثم يرجح ما وسعه الترجيح.

فاستجاب ابن قدامة وكتب كتابه “المغني”، وخرج فقهاء المالكية والحنفية في جيش صلاح الدين، متجاوزين تماماً مسألة الاختلاف في مسائل الاجتهاد التي يسع فيها الخلاف.

فالخلاف في ظنيات العقيدة والشريعة لا يجوز أن يكون سبباً للفرقة، وقد أمر الله بالاعتصام بحبله جميعاً.

تراجع دور المؤسسات العلمية واستقلالها في العصر الحديث

س: لماذا سمحت هذه المؤسسات بالتغول عليها والسيطرة عليها رغم تاريخها العظيم؟

ج: بسبب انتقال الأمة من مرحلة الملك الإسلامي العضوض، الذي كان ينطوي على خير كثير، إلى مرحلة الاستبداد المطلق المطبق.

فأول ما استبد به هؤلاء الحكام هو العلماء، لأنهم يعلمون أنهم الخطر الأكبر. فصنع كل حاكم حاشية من العلماء، وأغدق عليهم المناصب والمكاسب، ووسم مخالفيه في الرأي.

فأصبحت المنابر غير مستقلة عن الدولة، وغُيبت المذاهب بحجة تطوير المسألة الفقهية، بينما كانت في الحقيقة حصوناً للدفاع عن الدين.

فغابت المؤسساتية العلمية، وتمت هيمنة الدولة على المؤسسة العلمية في كل بلد، فأصبح العالم الصادق لا يملك إلا صوته.

ومع ذلك، فالصورة ليست قاتمة تماماً، فالعلماء لا يزالون قادرين على الاجتماع والتآلف ليكونوا عوناً لأمتهم.

تقصير العلماء المعاصرين وضرورة تجاوز الخلافات الفرعية

س: لماذا يقتصر العلماء اليوم على العمل تحت ظلال المؤسسات، ولو اجتمعوا لدعوا الشعوب للتحرك لنصرة غزة مثلاً؟

ج: التقصير حاصل، لا شك في ذلك، وكبار العلماء أصحاب الكلمة المسموعة يتحملون من المسؤولية ما لا يتحمله آحادهم.

لكن العلماء اليوم محكومون بعوامل فرقة كبيرة، كغيرهم، فهم منقسمون إلى مدارس فكرية مختلفة. فلو فتحت وسائل التواصل اليوم، لوجدت المعركة على أشدها بين الأشاعرة والسلفية، وكأن الأمة في حالة من الرفاهية والترف تسمح بتحقيق مواطن الخلاف بينهما.

وهذا أمر أراه إثماً مبيناً في هذه المرحلة؛ لأنه عندما يكون العدو على باب بيتك، ليس لك هم إلا دفع ذلك العدو، وانشغالك بغيره عبث تام.

يجب على العلماء ألا يسمحوا بتصنيفهم إلا كعلماء فحسب، فلا يكون العالم مؤيداً لسلطة على طول الخط ولا معارضاً لها دائماً، بل هو قائم بالحجة لله رب العالمين؛ يقول للمخطئ: أخطأت، وللمصيب: أصبت، دون أن يزن المسألة بميزان الهوى أو الموالاة والمعارضة السياسية.

إنكار الجهاد والمقاومة: سنن تاريخية وسقوط المرجفين

س: هناك من خرج من العلماء اليوم وطعن في المقاومة وجهاد الفلسطينيين، هل هذا نابع من قناعة لديهم؟

ج: هذه مسألة لا تحتاج إلى علم، بل تحتاج إلى أقل قليل من العقل أو الإنسانية أو الضمير. وهي فتنة ممتدة عبر التاريخ.

فعندما قام عمر المختار ليجاهد الطليان، كفّره البعض، بل اجتمع مجلس من الفقهاء وزعماء العشائر وأصدروا فتوى جماعية تكفّر المختار وتبيح دمه للمحتل، وكانوا من الليبيين أنفسهم.

وعندما قامت الثورة العرابية في مصر، وُصف أحمد عرابي بـ”الخائن” و”الأحمق”. لكن التاريخ منصف؛ فذهبت كلمة “الخائن” وحضرت كلمة “الزعيم عرابي”.

هؤلاء المرجفون في المدينة، كما سماهم القرآن الكريم، هم جزء من حركة التاريخ، وهم الزبد الذي يحمله التاريخ إلى مقابر النفايات، كما قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.

بشائر الميلاد الجديد للأمة ودور العلماء في استنهاضها

س: هل عاشت الأمة حالات مشابهة للحالة التي نعيشها اليوم، وكيف خرجت منها؟ وهل يمكن للعالم أن يكون مؤثراً دون أن يصطدم بالسلطة؟

ج: نعم، عاشت الأمة حالات مشابهة، إلا حالة واحدة هي التي سبقت ميلاد الأمة المسلمة الأولى. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ”.

كانت الغربة الأولى هي التي عاشها النبي وأصحابه تحت وطأة الاستبداد القرشي في مكة، الذي حبس الأمة ثلاث عشرة سنة في شعب أبي طالب. فلما أخذت الأمة حريتها في المدينة، انطلقت انطلاقتها العظيمة، ففتحت المدائن وورثت الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية في بضع سنين.

نحن نعيش اليوم فترة تشبه ذلك التحول؛ فالأمة محاصرة حصاراً كحصار شعب أبي طالب، ويوشك أن تتحرر منه لتبدأ دوراً حضارياً جديداً.

وما يدفع الآن من دماء وأثمان هو تمهيد لهذا الميلاد الجديد، فالله يصطفي الشهداء، وكتب أسماءهم في ديوان الشهداء قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة.

أما عن إمكانية تأثير العالم دون الاصطدام بالسلطة، فالإجابة نعم. فليست من خصائص العالم أنه يصطدم بالسلطة، بل إن للعالم بوصلة واحدة هي: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.

فإن رضيت السلطة بالبيان، فأهلاً وسهلاً، وإن لم ترضَ، فأهلاً وسهلاً. ويسع العالم أن يذهب نازعاً قميصه ومستعداً للقاء ربه، كما فعل أئمة العلماء في التاريخ.

فالعالم ليس معارضاً سياسياً ولا موالياً دائماً، بل هو حامل رسالة النبي بعد النبي، والعلماء ورثة الأنبياء.

المذيع: أسامة أبو ظهير

شكراً جزيلاً على هذه الإضاءات القيمة.

منصة: عربي بوست

اترك تعليقا