“وقفت وبكيت”
عادت رجاء سالمي، البالغة من العمر 52 عامًا، إلى حي الرمال بعد رحلة مشي طويلة محفوفة بالقلق والخوف.
“سرنا لساعات… وعندما رأيت منزلي، لم أصدق عيني. كل شيء تحول إلى غبار. وقفت أمامه وبكيت”، تقول رجاء.
لقطات جوية نشرتها وكالة فرانس برس كشفت عن أحياء كاملة تحولت إلى كتل خرسانية ملتفة، تتخللها أسلاك فولاذية، بينما يحاول السكان أن يجدوا طريقهم بين الركام.
عودة صامتة في “مدينة الأشباح”
سامي موسى، شاب في الثامنة والعشرين، عاد بمفرده ليتفقد منزل عائلته. قال: “الحمد لله… وجدته لا يزال قائمًا، لكن الشعور لا يوصف. كأنني أمشي في مدينة أشباح. لا تزال رائحة الموت في الهواء.”
بحسب وزارة الصحة في غزة، أسفرت حملة إسرائيل عن مقتل ما لا يقل عن 67,682 فلسطينيًا، غالبيتهم من النساء والأطفال، وهي أرقام وصفتها الأمم المتحدة بأنها “موثوقة”. في المقابل، بدأ سكان المدينة – نحو 500 ألف فلسطيني – بالعودة إلى ما تبقى من أحيائهم، معظمهم سيرًا على الأقدام، يحملون ما استطاعوا إنقاذه من متاع.
حماس تُحذّر… وخطة ترامب تتعقد
في الدوحة، وخلال مقابلة مع وكالة فرانس برس، حذّر حسام بدران، القيادي في حماس، من أن المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام “تتضمن الكثير من التعقيدات”، مشيرًا إلى رفض الحركة المشاركة في التوقيع الرسمي المزمع عقده في مصر يوم الإثنين.
وأضاف بدران: “نزع سلاح حماس ليس مطروحًا، ولن نكون طرفًا في اتفاق يُفرض علينا تحت ضغط الحرب.”
الرفض الفلسطيني قابله حراك دبلوماسي مكثف. ففي غضون ساعات من إعلان وقف إطلاق النار، زار الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، قطاع غزة برفقة مبعوث ترامب ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر ترامب، للإشراف على ما وصف بـ”التطبيق الميداني للمرحلة الأولى من خطة السلام”.
قوة دولية بدلاً من الاحتلال
تشمل الخطة انسحابًا تدريجيًا للقوات الإسرائيلية من مدن غزة، على أن تُستبدل بقوة متعددة الجنسيات تضم عناصر من مصر، قطر، تركيا، الإمارات، بتنسيق من مركز قيادة أمريكي يُقام في إسرائيل. ويُنتظر أن تبدأ هذه القوة مهامها فور تثبيت الهدنة.
بين تل أبيب وغزة: رهائن وأسرى
وفي تل أبيب، ما زال الأمل حاضرًا. قال إيناف زانغاوكر، والد الرهينة ماتان، أحد آخر من يُعتقد أنهم على قيد الحياة في غزة: “سنواصل الصراخ والضغط حتى يعود الجميع إلى ديارهم.”
أما زايرو مندر، الذي فُقد عمه في بداية الحرب وعُثر على جثمانه لاحقًا، فكان أكثر حذرًا: “أخيرًا نشعر بالأمل، لكننا لا نستطيع التوقف الآن.”
بحسب الاتفاق، أمام حماس مهلة حتى ظهر الإثنين لتسليم 47 رهينة إسرائيليًا – أحياءً وأمواتًا. وفي المقابل، ستطلق إسرائيل سراح 250 أسيرًا فلسطينيًا، من بينهم من يقضون أحكامًا مؤبدة، إضافة إلى 1700 معتقل من غزة أُسروا خلال العمليات العسكرية.
مخاوف من خرق وقف إطلاق النار
رغم التقدم، تبقى الشكوك حاضرة. إيران، الحليف الإقليمي لحماس، عبّرت عن عدم ثقتها بالتزام إسرائيل، وحذرت من تكرار ما حدث في هدنات سابقة انهارت سريعًا.”لا ثقة على الإطلاق في النظام الصهيوني”، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
أمل مشوب بالحذر
في غزة، يسير الناس وسط الأنقاض، وبينما يحاول البعض إعادة بناء ما تهدّم، يحاول آخرون ببساطة استيعاب الفاجعة. “كل شيء تغيّر… الشوارع، الوجوه، وحتى الهواء”،
قال أحد السكان العائدين. لقد وضعت الحرب أوزارها – مؤقتًا – لكن السلام ما زال بعيد المنال.
وفي انتظار الإثنين، تبقى العيون شاخصة: هل يعود الرهائن؟ هل تُطبق المرحلة الثانية؟ أم يعود القصف والدمار؟
كل الاحتمالات واردة… وغزة، كما تل أبيب، تحبس أنفاسها.