حرب سلاسل القتل… هل دخلت المواجهة الإيرانية – الأمريكية أخطر مراحلها؟

ماجدة القاضي تكتب

لماذا تصاعدت الضربات الأمريكية بهذه الحدة خلال الساعات الأخيرة؟

قد تبدو الإجابة المباشرة أنها مجرد رد على الهجمات الإيرانية الأخيرة، لكن طبيعة الأهداف التي اختارتها الولايات المتحدة، وطبيعة الأهداف التي سبقتها إيران باستهدافها، تشير إلى أن ما يجري أكبر من مجرد تبادل للضربات أو محاولة لاستعادة الردع المفقود .

فالولايات المتحدة لم تكتف هذه المرة بضرب منصات الصواريخ أو مواقع الدفاع الجوي، بل وسعت بنك أهدافها ليشمل الجسور، ومحاور السكك الحديدية، والموانئ، والبنية اللوجستية التي تربط جنوب إيران بمضيق هرمز. وهي أهداف لا تعطل سلاحًا بعينه، بقدر ما تعطل قدرة الجيش الإيراني على الحركة وإعادة التموضع واستمرار القتال الولايات المتحدة قامت بدقة بضرب العين واليد لايران ممثلا في : الرادار، القيادة، الصاروخ والزورق.
ثم ضرب الأرجل والشرايين: الطرق، الجسور، السكك، المخازن والإمداد .. هى الان ترغب في عزل الجنوب وكل ما بفضى الى هرمز

لكن لفهم سبب هذا التحول الأمريكي المتصاعد ، علينا أولًا أن ننظر إلى ما فعلته إيران.

فخلال الأسابيع الماضية، لم تركز طهران هجماتها على القواعد العسكرية الأمريكية فقط، بل بدأت تضرب ما تعتبره البنية التي تدير الحرب الأمريكية نفسها. استهدفت قواعد تشغيل متقدمة، وظهرت للمرة الأولى هجمات على مراكز بيانات سحابية حساسة في الخليج، وتزامن ذلك مع توسيع قائمة الأهداف لتشمل شركات التكنولوجيا الأمريكية ايضا في الخليج ، إلى جانب استمرار الضغط على الملاحة والطاقة في الخليج والبحر الأحمر .

هنا يصبح التصعيد الأمريكي أكثر قابلية للفهم.

فواشنطن لا تنظر إلى هذه الضربات باعتبارها هجمات متفرقة، بل باعتبارها محاولة إيرانية لضرب الشبكة التي تمنح قواتها القدرة على الرؤية، والاتصال، واتخاذ القرار، وإدارة العمليات عبر الإقليم.

ومن هنا تغيرت طبيعة الرد.

بدلًا من الاكتفاء بتدمير الصواريخ الإيرانية، بدأت الولايات المتحدة تضرب الشبكة المقابلة؛ شبكة الحركة والإمداد والقيادة التي تسمح لإيران بإدارة الحرب والاستمرار فيها.

بعبارة أخرى، لم يعد كل طرف يحاول تدمير سلاح خصمه، بل يحاول تعطيل المنظومة التي تجعل هذا السلاح قادرًا على العمل.

إنها حرب سلاسل القتل.

في العقيدة العسكرية الحديثة، لا تبدأ الضربة عند إطلاق الصاروخ، وإنما تبدأ بجمع المعلومات، وتحليلها، وربطها بمراكز القيادة، ثم إصدار القرار، وتحريك القوات، وتأمين الإمداد، وتنفيذ الضربة، وتقييم نتائجها.

هذه الدورة الكاملة هي ما يعرف بـ Kill Chain.

والجديد أن الطرفين لم يعودا يتنافسان على تدمير الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة، بل يحاول كل منهما قطعها من جذورها.

إيران تستهدف القواعد، ومراكز البيانات، والطاقة، والممرات البحرية، لأنها ترى فيها العقد التي تسمح للولايات المتحدة بإدارة الحرب.

والولايات المتحدة تستهدف الجسور، والسكك الحديدية، والموانئ، والوقود، والبنية اللوجستية، لأنها تمثل الشرايين التي تسمح لإيران بتحريك قواتها وإطالة أمد القتال.
.
نستطيع ان نقول انها حرب تدمير الشبكات
وهنا يكمن أخطر ما تكشفه المواجهة الحالية.

فعندما تصبح البنية التحتية جزءًا من سلسلة القتل، تتحول تلقائيًا إلى هدف عسكري محتمل. ولم تعد القواعد وحدها معرضة للقصف، بل أصبحت مراكز البيانات، ومحطات الكهرباء، والموانئ، وشبكات الاتصالات، وخطوط النقل، وكل عقدة تؤدي دورًا في تشغيل الدولة أو دعم المجهود العسكري.

ولهذا تبدو دول الخليج اليوم أكثر انكشافًا من أي وقت مضى بعيدا عن استهداف القواعد الأمريكية

فهي لا تستضيف قواعد أمريكية فقط، بل تستضيف أيضًا مراكز الطاقة، والموانئ العالمية، والبنية الرقمية، ومراكز الحوسبة السحابية، وهي جميعًا أصبحت جزءًا من الشبكة التي تدور الحرب حولها.

ولذلك، فإن أخطر ما تحمله الضربات الأخيرة ليس حجم الدمار الذي أحدثته، بل المنطق الجديد الذي يحكمها.

فإذا استمر الطرفان في توسيع بنك الأهداف بهذه الوتيرة ليشمل كل ما يدعم قدرة الخصم على القتال، فإن الحرب ستنتقل تدريجيًا من استهداف الجيوش إلى استهداف البنى التي تقوم عليها الدول نفسها.

وعندها لن يكون السؤال من انتصر عسكريًا، بل ماذا بقي أصلًا من البنية التي تسمح للدول بالحياة بعد توقف القتال.

فهل تقود حرب سلاسل القتل الحالية العالم إلى مرحلة يصبح فيها تدمير البنية التحتية شرطًا لتحقيق النصر؟ وإذا حدث ذلك، فهل نكون قد دخلنا حربًا لا يملك أحد القدرة على إيقاف خرابها

اترك تعليقا