حدود الموقف الروسي من حرب إيران/إسرائيل

الإكتفاء بالتنديد الدبلوماسي دون أن خطوة عملية

على وقع الحرب الإيرانية الإسرائيلية التي استمرت اثني عشر يومًا قبل صدور قرار وقف إطلاق النار. وجدت القوى الدولية نفسها أمام منعطف حرج يُهدد الاستقرار الإقليمي والدولي على حد سواء.
وفي هذا السياق، برزت روسيا كلاعب رئيسي، لكن من موقع المراقب المتفاعل لا المتدخل. فقد اكتفت موسكو بالتنديد السياسي والدبلوماسي، وأبدت قلقها العميق من الانزلاق نحو مواجهة شاملة، دون أن تُقدِم على خطوات عملية أو عسكرية داعمة لحليفتها الاستراتيجية طهران، رغم ما يجمع الطرفين من شراكات في ملفات حساسة كالأمن والدفاع والطاقة النووية.

وهذا التباعد بين خطاب الدعم السياسي وبين غياب الفعل الميداني، أثار تساؤلات عميقة حول طبيعة وحدود الموقف الروسي، وهل يعكس تحوّلًا في أولويات السياسة الخارجية الروسية؟ أم أنه ناجم عن حسابات دقيقة تتعلق بتوازنات المصالح مع أطراف النزاع،

الحياد المحسوب

منذ الساعات الأولى للتصعيد الإيراني الإسرائيلي، اتخذت موسكو موقفًا اتسم بالحذر الشديد، عبّرت فيه عن قلق بالغ من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة، دون أن تتورط في أي دعم عملي لطهران.
فقد أدانت وزارة الخارجية الروسية الضربات الإسرائيلية ووصفتها بأنها “انتهاك صارخ لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة”، ومحذّرة من أن الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية “يهدد بكارثة نووية عالمية”،

هذا التوجّه الروسي أثار جدلًا واسعًا حول مدى التزام موسكو باتفاق الشراكة مع طهران، خاصة أن المتحدث باسم الكرملين، “دميتري بيسكوف”، أوضح بشكل صريح أن “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع إيران لا تتضمن بنودًا تتعلق بتقديم دعم عسكري متبادل”. مشددًا على أن المواقف الروسية واضحة في إدانة التصعيد لكنها لا تنسحب إلى خطوات ميدانية. وهذا التأكيد العلني بعدم وجود آلية دفاع مشترك يعكس سعي موسكو للفصل بين شراكتها السياسية مع إيران وبين انخراط مباشر في مواجهة قد تجرها إلى صدام مع إسرائيل أو حتى الولايات المتحدة.

في الوقت ذاته، سعت روسيا إلى إبراز دورها كوسيط محتمل، وركزت على اتصالاتها الدبلوماسية المتكررة مع جميع الأطراف،

على الجانب الآخر، لا يمكن إغفال الاعتبارات الأمنية الروسية المباشرة في التعامل مع هذا التصعيد. فقد أكد دميتري بيسكوف أن هناك تفاهمًا تم التوصل إليه مع إسرائيل لضمان سلامة الفنيين الروس العاملين في محطة بوشهر النووية، مشيرًا إلى أن “أمن الخبراء الروس كان محورًا أساسيًا في اتصالات بوتين مع الأطراف المعنية”. وصرّح رئيس شركة روساتوم، أليكسي ليخاتشوف، أن بعض العاملين الروس في بوشهر قد تم إجلاؤهم، وأن العمل في المحطة لا يزال جاريًا، لكن الوضع يقترب من حالة الطوارئ. هذه الإجراءات تؤكد أن موسكو وضعت في صدارة أولوياتها حماية مواطنيها ومصالحها التقنية، وهو ما قد يفسر انكفاءها الميداني واكتفاءها بالحياد النشط، باعتباره خيارًا استراتيجيًا أكثر منه تعبيرًا عن ضعف أو تراجع لدورها.

يتشكل الموقف الروسي من خلال شبكة معقدة من المحددات التي توازن بين المصالح والقيود منها:

التحالف الاستراتيجي مع إيران: إذ ترتبط روسيا وإيران بعلاقات استراتيجية وطيدة، والتي تعززت مع التدخل الروسي في سوريا وامتدت لتشمل ملفات حيوية مثل الملف النووي والتعاون الدفاعي والتقني. ومع ذلك، أوضح الكرملين بشكل مباشر أن هذه الشراكة لا تعني التزامًا بدعم عسكري في حال نشوب نزاع.

الحفاظ على العلاقة مع إسرائيل: تبقي موسكو على علاقة متوازنة مع إسرائيل، وهي علاقة ضرورية في ضوء التنسيق المستمر في الأجواء السورية، وتبادل المصالح التقنية والعسكرية. حيث أظهرت موسكو حرصًا واضحًا على عدم تجاوز هذه العلاقة لأي مستوى من التصعيد، إذ صرّح بيسكوف أن روسيا “تحافظ على علاقات متوازنة وقائمة على الثقة مع إسرائيل”،

هذا الحرص الروسي على عدم استفزاز تل أبيب يعكس مدى حساسية العلاقة معها، خاصة أن بوتين تواصل هاتفيًا مع نتنياهو في ظل الأزمة؛ مما يشير إلى أن روسيا تدير الموقف بعناية فائقة لتجنب خسارة طرف إقليمي مهم في معادلاتها الأوسع.

الانشغال بالحرب في أوكرانيا: تأتي الأزمة الإيرانية الإسرائيلية في وقت تخوض فيه روسيا حربًا واسعة النطاق ضد أوكرانيا منذ فبراير 2022، وهو ما جعلها تستنزف موارد عسكرية واقتصادية هائلة. ومن هذا المنطلق، فإن أي انخراط مباشر في تصعيد جديد في الشرق الأوسط سيشكّل عبئًا استراتيجيًا غير محتمل. وهو ما أكد عليه الرئيس “بوتين”، خلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، مؤكدًا أن بلاده “لا تسعى لفرض حلول”، بل تكتفي بطرح مقترحات،

رغم التحالف الوثيق بين موسكو وطهران، فإن روسيا آثرت البقاء على هامش الحرب الإيرانية الإسرائيلية، مكتفية بردود دبلوماسية دون دعم عسكري. هذا التوجه لم يكن عشوائيًا، بل استند إلى اعتبارات استراتيجية دقيقة تحكم سلوك الكرملين في لحظة دولية معقدة.

عامل أساسي يتمثل في: تفادي الصدام مع الغرب للحفاظ على هامش المناورة: يرتبط تجنّب روسيا من التدخل لصالح إيران عسكريًا ارتباطًا وثيقًا برغبتها في عدم قطع قنوات التواصل مع واشنطن. ففي ظل الانشغال الأمريكي بالصراع الإيراني، ترى موسكو فرصة لتخفيف الضغوط الغربية عليها في ملف أوكرانيا، وربما المساومة لاحقًا على ترتيبات إقليمية أو انسحاب جزئي غربي. ويُدرك الكرملين أن أي دعم صريح لإيران قد يُفسد التوازن القائم مع الإدارة الأمريكية،

ماذا عن زيارة عراقجي إلى موسكو؟

جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” إلى موسكو، كمحاولة إيرانية واضحة لحشد موقف داعم من موسكو. وقد رافق الزيارة إعلان عن توافق سياسي في ملف الضربات الغربية على المنشآت النووية الإيرانية؛ حيث وصفتها موسكو بأنها تمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، كما طُرح خلالها الحديث عن تقديم مشاريع قرارات إلى مجلس الأمن. غير أن المخرجات العملية للزيارة لم تتجاوز سقف الإدانة الكلامية، دون أن تُترجم إلى التزامات فعلية، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي؛ مما يعكس حذرًا روسيًا واضحًا في عدم التصعيد أو الانحياز الكامل لطهران.

هذا السياق يُبرز محدودية الرهان الإيراني على تحالفات مع قوى كبرى كروسيا، ويكشف عن عمق العزلة الاستراتيجية التي تواجهها طهران، حتى في لحظات التصعيد القصوى. إذ حرصت موسكو على استثمار الزيارة لتعزيز موقعها كوسيط دولي، دون أن تغامر بأي خطوة قد تضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.

*المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية