جهود باكستانية لإعادة أمريكا وإيران للمفاوضات ..هذه احتمالات تجاوز الأزمة

لهذه الأسباب تبدو مهمة إسلام أباد صعبة

عادت باكستان إلى واجهة المشهد الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة جديدة لإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات بعد أسابيع من التصعيد وانهيار التفاهمات السابقة.

ويأتي التحرك الباكستاني في وقت تبدو فيه فرص التسوية أكثر صعوبة، خصوصا مع تشدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سبق أن وصف التعامل مع طهران بأنه «مضيعة للوقت»، قبل أن تتناقض هذه اللهجة مع استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة بين الجانبين.
وتزداد أهمية التحرك الباكستاني في ضوء انتهاء مهلة الستين يوما التي ارتبطت بالتفاهم الذي جرى التوصل إليه في يونيو الماضي، من دون أن تتحول إلى اتفاق دائم.

تبادل الاتهام بين واشنطن وطهران 

وبحسب تقارير صحفية ، ظل الطرفان يتبادلان الاتهامات بشأن انهيار التفاهم، بينما بقيت قضايا العقوبات والبرنامج النووي ومضيق هرمز وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة في قلب الخلاف.
ماذا يجري في الكواليس؟
المؤشرات المتاحة تشير إلى أن الدبلوماسية لم تختف تماما، وإنما انتقلت إلى مستوى أكثر هدوءا وأقل إعلانا. فإسلام آباد تحاول استثمار اتصالاتها الوثيقة نسبيا مع واشنطن وعلاقاتها التاريخية مع طهران لفتح قناة يمكن من خلالها اختبار الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبله كل طرف.

وكانت باكستان قد لعبت بالفعل دورا مهما في جهود وقف التصعيد، واستضافت جولات تفاوضية بين الأمريكيين والإيرانيين، كما تمكنت في مرحلة سابقة من المساعدة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار. ولذلك فإن عودة شهباز شريف إلى الحديث عن الوساطة ليست مبادرة منفصلة، وإنما امتداد لدور بدأته إسلام آباد منذ اندلاع الأزمة.

قناة اتصال سياسي
وفي الرابع من أغسطس، كثفت باكستان تحركها عندما دعا وزير الخارجية إسحاق دار نظيره الإيراني عباس عراقجي إلى زيارة إسلام آباد، في مؤشر على محاولة إعادة بناء قناة اتصال سياسية، حتى لو لم تكن هناك مفاوضات مباشرة معلنة بين واشنطن وطهران.
لكن ما يلفت الانتباه أن التصريحات الأمريكية نفسها تحمل رسائل متناقضة. فترامب أعلن في أغسطس أنه لا توجد مفاوضات مع إيران حاليا، بينما تحدث مبعوثه جاريد كوشنر عن استمرار الاتصالات.

ومن هنا يمكن الإشارة إلي أن  الازدواجية قد تكون جزءا من أسلوب تفاوضي أمريكي يهدف إلى إبقاء الضغط على طهران، من دون إغلاق الباب تماما أمام التسوية.
لماذا تبدو مهمة باكستان صعبة؟
المشكلة الأساسية أن الخلاف لم يعد يتعلق بوقف إطلاق النار فقط، وإنما بمستقبل العلاقة الأمريكية الإيرانية نفسها. واشنطن تريد اتفاقا أكثر صرامة بشأن البرنامج النووي، وتطالب بقيود واسعة على القدرات الإيرانية، بينما ترى طهران أن أي اتفاق يجب أن يتضمن رفعا للعقوبات وضمانات بعدم تجدد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
وهناك أيضا عقدة مضيق هرمز. فالمضيق أصبح جزءا من معادلة التفاوض، بعدما ارتبطت إعادة فتحه بمطالب متبادلة بين الطرفين. وتشير التقارير إلى أن واشنطن ترى أن الضغط الاقتصادي والعسكري يمكن أن يدفع إيران إلى تقديم تنازلات،

بينما تراهن طهران على أن استمرار قدرتها على الصمود سيجبر الولايات المتحدة في النهاية على تقديم تنازلات مقابلة.
ولهذا فإن باكستان لا تواجه مجرد خلاف على تفاصيل اتفاق، وإنما أزمة ثقة عميقة. فكل طرف يشك في أن الآخر يستخدم المفاوضات لكسب الوقت أو تحسين موقعه قبل العودة إلى التصعيد.
ماذا تملك إسلام آباد؟
تمتلك باكستان عددا من الأوراق، لكنها ليست أوراق ضغط مباشرة. أولها علاقتها الوثيقة بواشنطن، التي تسمح لها بنقل رسائل ومقترحات إلى الجانب الأمريكي. وثانيها حدودها الطويلة وعلاقاتها الأمنية والسياسية مع إيران، ما يمنحها قدرة على فهم الحسابات الإيرانية ونقل هواجس طهران إلى الوسطاء الغربيين.
كما أن باكستان استطاعت في الأشهر الماضية أن تثبت أنها قادرة على جمع أطراف إقليمية مختلفة حول طاولة واحدة. وقد استضافت مباحثات شاركت فيها دول مثل السعودية وتركيا ومصر، في إطار البحث عن مسارات لخفض التصعيد ومعالجة التداعيات الاقتصادية والأمنية للأزمة.
وتملك إسلام آباد كذلك ورقة المصالح الاقتصادية. فاستمرار الصراع يهدد أمن الطاقة وحركة التجارة في المنطقة، ويضر باقتصاد باكستان نفسها. ومن ثم تستطيع طرح تسوية تقوم على خطوات متبادلة: تهدئة عسكرية، إجراءات أمريكية محدودة لتخفيف الضغط الاقتصادي، خطوات إيرانية بشأن الملف النووي والملاحة، ثم الانتقال إلى مفاوضات أوسع.
لكن حدود الدور الباكستاني واضحة؛ فهي لا تستطيع إجبار واشنطن أو طهران على تقديم تنازلات لا تريدانها.
احتمالات كسر الجمود 
رغم صعوبة المهمة، لا تبدو الوساطة الباكستانية بلا فرص. فالطرفان يدركان أن استمرار المواجهة يحمل تكلفة كبيرة. الولايات المتحدة تواجه ضغوطا مرتبطة بأسعار الطاقة والاستقرار الإقليمي، بينما تواجه إيران ضغوطا اقتصادية وعسكرية متزايدة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن واشنطن تحاول تخفيف آثار أزمة هرمز عبر ترتيبات ملاحية تساعد على استمرار تدفق جزء من النفط، في حين تواصل الضغط الاقتصادي على إيران. وهذا يعني أن الإدارة الأمريكية ربما تعتقد أنها تستطيع تحسين موقعها التفاوضي قبل العودة إلى طاولة الحوار.

في المقابل، قد تدرك طهران أن رفض الحوار تماما ليس خيارا دائما، خصوصا إذا استمرت الضغوط الاقتصادية. لكنها تريد العودة إلى المفاوضات من موقع الند، وليس باعتبارها طرفا مهزوما.
ومن هنا قد يكون الدور الباكستاني الأكثر واقعية هو إعادة إطلاق المفاوضات وليس صناعة الاتفاق. تستطيع إسلام آباد بناء جسر اتصال، وطرح صيغة مؤقتة لتجميد التصعيد، وربما الاتفاق على «خطوات متزامنة» بدلا من مطالبة أحد الطرفين بتقديم تنازل أحادي.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول هو نجاح باكستان في إعادة الاتصالات غير المباشرة، وهو الأكثر واقعية في المدى القصير. أما السيناريو الثاني فهو التوصل إلى تفاهم مرحلي يشمل وقف التصعيد وملف هرمز وبعض الإجراءات الاقتصادية، على أن تؤجل القضايا الأصعب إلى مفاوضات لاحقة.
أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فهو فشل الوساطة واستمرار سياسة الضغط المتبادل، خصوصا إذا تمسكت واشنطن بفكرة أن الوقت يعمل ضد إيران، بينما اعتبرت طهران أن تقديم التنازلات تحت الضغط سيضعف موقفها.
وبالتالي فإن فرص باكستان في تحقيق اختراق كامل تبدو محدودة، لكن قدرتها على منع انهيار الدبلوماسية تماما أكبر بكثير. وفي ظل التصريحات المتشددة لترامب، قد يكون هذا هو الهدف الحقيقي لتحرك شهباز شريف: إبقاء الباب مفتوحا أمام التفاوض إلى أن تتغير حسابات الطرفين.
ومن هنا يمكن  القول إن  نجاح الوساطة الباكستانية لن يتوقف على مهارة إسلام آباد وحدها، وإنما على استعداد واشنطن وطهران لقبول تسوية تقوم على مبدأ «التنازلات المتبادلة».

فإذا ظل كل طرف يعتقد أنه يستطيع انتزاع استسلام الطرف الآخر بالضغط، ستبقى الوساطات محدودة التأثير. أما إذا أدرك الطرفان أن استمرار الأزمة أكثر كلفة من التسوية، فقد تجد مبادرة باكستانية جديدة الطريق إلى طاولة مفاوضات حقيقية

اترك تعليقا