جنود الاحتلال: ممارسات منهجية”لنهب”ممتلكات اللبنانيين والفلسطينيين

النهب المنظم: جريمة صامتة يتواطأ فيها القادة مع الجنود

في تطور يثير تساؤلات جدية حول الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، كشفت تقارير صحفية إسرائيلية ودولية خلال الأسابيع الأخيرة من أبريل 2026 عن ممارسات منهجية لنهب ممتلكات مدنيين فلسطينيين ولبنانيين على يد جنود إسرائيليين، وسط مؤشرات على تغاضٍ مؤسسي من القيادة العسكرية عن ملاحقة هذه الانتهاكات.

وفقاً لتقرير نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية ونقلته وكالة الأناضول التركية في 23 أبريل 2026، اعترف جنود وقادة ميدانيون إسرائيليون متمركزون في جنوب لبنان بأن سرقة ممتلكات مدنية من منازل ومحال تجارية أصبحت “ظاهرة واسعة النطاق ومتكررة”، تشمل دراجات نارية، وأجهزة تلفاز، ولوحات فنية، وأثاثاً، وسجاداً .

وأضاف التقرير أن الجنود ينقلون المسروقات في مركباتهم العسكرية بشكل علني دون محاولة لإخفائها، في حين يدعي القادة معرفتهم بالظاهرة دون اتخاذ إجراءات تأديبية فعالة لوقفها .

وفي سياق متصل، نقلت قناة آر تي آر تي وورلد في 4 مارس 2026 عن شهادات جنود إسرائيليين أن عمليات السرقة توسعت لتشمل بيع المسروقات عبر منصات رقمية مثل تيليجرام وفيسبوك ماركت بليس، حيث عُرضت مجوهرات، وإلكترونيات، وحتى سبّحات ومسابح دينية للبيع .

وأشارت التحقيقات إلى أن بعض القادة العسكريين لم يكتفوا بالتغاضي، بل شاركوا أحياناً في عمليات النهب أو استفادوا من عائداتها .

على الجانب الفلسطيني، وثقت تقارير من الضفة الغربية المحتلة خلال فبراير وأبريل 2026 حالات متكررة لنهب جنود إسرائيليين لمنازل الفلسطينيين خلال المداهمات العسكرية، شملت سرقة نقود، ومجوهرات ذهبية، وأغراض شخصية .

وأكد تقرير لمركز يس دين الإسرائيلي المعني بحقوق الإنسان أن النهب المنظم للممتلكات الفلسطينية يُعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي، مشيراً إلى أن 26 بالمئة من ملفات التحقيق التي فتحتها النيابة العسكرية الإسرائيلية في 2015 تتعلق بجرائم ممتلكات ارتكبها جنود، لكن نسبة الملاحقات الفعالة ظلت ضئيلة للغاية .

أرقام صادمة حول الإفلات من العقاب 

تشير البيانات الرسمية الإسرائيلية التي نقلتها وكالة الأناضول في فبراير 2026 إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يوجه سوى تهمة جنائية واحدة فقط لجندي متهم بالنهب خلال الحرب على غزة، وانتهت القضية بعقوبة مخففة عبر صفقة اعتراف .

وفي تقرير استقصائي نشرته مؤسسة دروب سايت نيوز في نوفمبر 2025، وُجد أن النظام القضائي العسكري الإسرائيلي يتسم بالبطء والغموض، وهيكلته مصممة لحماية الجنود من المساءلة، حيث لم تُرفع سوى ثلاث لوائح اتهام جنائية فقط خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى من الحرب.

وفي تعليق على هذه المعطيات، نقلت صحيفة هآرتس عن جندي إسرائيلي قوله: “عندما لا توجد عقوبة، تكون الرسالة واضحة. لو قاموا بطرد أحد أو سجنه أو نشر الشرطة العسكرية على الحدود، لتوقفت الظاهرة فوراً” .

وأضاف جندي آخر: “القادة يعرفون أن الانضباط انهار، ويفضلون التغطية على الأمور بهدوء حتى يتمكن الجنود من العودة للدورات التالية” .

شهادات ميدانية: “النهب أصبح روتينياً” 

في مقابلات موثقة مع صحيفة هآرتس، وصف جنود إسرائيليون ظاهرة النهب بأنها “ظاهرة مجنونة” و”روتينية”، حيث يأخذ أي جندي ما يستطيع حمله – أجهزة كهربائية، سجائر، أدوات، مجوهرات – ويضعه مباشرة في سيارته أو يتركه جانباً في موقع غير مخبأ، والجميع يرى ويفهم .

وأشارت الشهادات إلى أن وتيرة النهب تزايدت مع تحول أنماط القتال في جنوب لبنان، حيث بقيت وحدات عسكرية لفترات طويلة في مناطق مدنية مهجورة بعد نزوح السكان .

من جهتها، أكدت منظمة يوروميد لمراقبة حقوق الإنسان في تقريرها الصادر في ديسمبر 2023 أن الجيش الإسرائيلي سمح لجنوده بالانخراط ليس فقط في القتل، بل أيضاً في أنشطة غير أخلاقية مثل سرقة الممتلكات والنهب المنظم لمنازل المدنيين في غزة .

وحذرت المنظمة من أن الإفلات من العقاب يغذي استمرار هذه الممارسات ويهدد بترسيخ ثقافة الإفلات من المساءلة داخل المؤسسة العسكرية.

 ردود الفعل الرسمية: بين الإنكار والإجراءات الشكلية

رداً على هذه الاتهامات، ادعى الجيش الإسرائيلي أنه يتخذ إجراءات تأديبية وجنائية عند الضرورة، وأن الشرطة العسكرية تجري تفتيشات على المعابر الحدودية عند عودة القوات .

لكن تقرير هآرتس كشف أن بعض نقاط التفتيش التي كانت مُقامة سابقاً لمنع تهريب المسروقات من جنوب لبنان أزيلت لاحقاً، بينما لم تُنشأ نقاط أخرى من الأساس في مواقع حدودية استراتيجية .

وفي سياق أوسع، أشار تقرير صادر عن منظمة “972 ماجازين” الإسرائيلية في فبراير 2024 إلى أن سرقة الممتلكات الفلسطينية أصبحت “روتينية تماماً” في حرب غزة، مع الحد الأدنى من المقاومة من القادة الميدانيين. وأضاف التقرير أن الثقافة العسكرية السائدة تخلق بيئة تسمح بتبرير النهب تحت ذرائع مثل “منع استخدام الممتلكات من قبل العدو” أو “الحفاظ على الأمن”، رغم عدم وجود أساس قانوني لهذه الممارسات في معظم الحالات.

 بين القانون الدولي وواقع الميدان 

تُجمع المصادر الموثقة على أن ظاهرة نهب ممتلكات المدنيين من قبل جنود إسرائيليين ليست حوادث فردية، بل تمثل نمطاً منهجياً تتغاضى عنه القيادة العسكرية بشكل متعمد أو غير مباشر. ورغم أن القانون الدولي الإنساني، وتحديداً اتفاقيات جنيف، يحظر صراحةً النهب والسلب خلال النزاعات المسلحة، فإن ضعف آليات المساءلة الداخلية في الجيش الإسرائيلي يخلق بيئة من الإفلات من العقاب.

وكما خلص تقرير مركز يس دين: “النهب المنظم للممتلكات الفلسطينية ليس مجرد انتهاك أخلاقي، بل جريمة حرب تستدعي ملاحقة دولية جادة عندما تفشل الآليات الوطنية في تحقيق العدالة” .

وفي ظل استمرار العمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، تظل حماية ممتلكات المدنيين واختبار جدية الالتزام بالقانون الدولي رهناً بضغط دولي مستدام وشفافية في التحقيقات.

المصادر المعتمدة في التقرير:
1. وكالة الأناضول التركية، تقرير “جنود حرب”: جنود إسرائيليون ينهبون منازل ومحال في لبنان، 23 أبريل 2026.
2. صحيفة هآرتس الإسرائيلية (عبر ذا كرادل)، شهادات جنود عن النهب الروتيني في جنوب لبنان، أبريل 2026.
3. قناة آر تي آر تي وورلد، تقرير عن بيع جنود إسرائيليين لمسروقات من غزة عبر تيليجرام، 4 مارس 2026.
4. موقع ميدل إيست آي، تحقيق عن بيع جنود إسرائيليين لمسروقات من غزة ولبنان، مارس 2025.
5. وكالة الأناضول، تقرير: رغم الفيديوهات، جندي إسرائيلي واحد فقط وُجهت له تهمة نهب في حرب غزة، 18 فبراير 2026.
6. مركز يس دين الإسرائيلي، تقرير “السرقة بزي رسمي: نهب أموال وممتلكات الفلسطينيين”، أغسطس 2025.
7. منظمة يوروميد لمراقبة حقوق الإنسان، تقرير عن سرقة ونهب منازل فلسطينية في غزة، ديسمبر 2023.
8. مجلة +972، تقرير: الجنود الإسرائيليون ينهبون منازل غزة بشكل جماعي، فبراير 2024.
9. مؤسسة دروب سايت نيوز، تحقيق استقصائي عن ملاحقات جرائم الحرب في الجيش الإسرائيلي، نوفمبر 2025.

ملاحظة منهجية: يعتمد هذا التقرير على منشورات صحفية وتقارير منظمات حقوقية موثقة ومتاحة للعموم خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026.