جدل واسع في هولندا بسبب مشاهد عنف للشرطة بحق محجبات

اختبار جديد لخطاب حقوق الإنسان في أوروبا

أثار تداول مقاطع مصورة تُظهر استخدام الشرطة الهولندية للعنف الجسدي ضد نساء محجبات حالة من الجدل والغضب الواسع داخل هولندا وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وسط اتهامات بوجود سلوك تمييزي مرتبط بالهوية الدينية.

الواقعة التي حدثت داخل محطة أوتريخت تحولت سريعًا من حادث أمني محدود إلى قضية رأي عام، بعدما أظهرت المشاهد تعاملًا خشنًا من جانب الشرطة مع نساء غير مسلحات، ما دفع كثيرين للتساؤل حول حدود استخدام القوة ودوافعها الحقيقية.

وفقًا للمقاطع المتداولة، أوقفت الشرطة امرأة محجبة بزعم الاشتباه في سرقة من أحد المتاجر داخل المحطة. وخلال التدخل الأمني، بدأت امرأة أخرى بتصوير ما يجري بهاتفها المحمول.

وتُظهر اللقطات قيام أحد عناصر الشرطة بركل المرأة التي كانت تصوّر بشكل مفاجئ، قبل أن يتطور الموقف إلى اشتباك جسدي استخدم فيه الشرطي العصا، في مشهد أثار صدمة واسعة بسبب حدّته وسرعة تصعيده.

عنف غير مبرر وتصعيد فجائي

عدد من النشطاء تداولوا رواية أكثر تفصيلًا للحادثة، مؤكدين أن شقيقتين دخلتا في نقاش مع امرأة وُصفت بالعنصرية داخل المحطة، قبل تدخل الشرطة.

وبحسب هذه الروايات، طلب أحد عناصر الشرطة من الشقيقتين مغادرة المكان، وهو ما بدأتا بالفعل في تنفيذه. إلا أن تعليقًا لفظيًا من إحدى الشقيقتين دفع الشرطي إلى الإمساك بذراعها بعنف، بينما كان يحمل العصا.

وعندما لحقت الشقيقة الأخرى لتصوير ما يحدث، من دون تعطيل الحركة أو إعاقة الطريق، استدار الشرطي فجأة ووجه لها ركلة، ثم شرع في ضربها بالعصا، ما اعتُبر تصعيدًا غير متناسب مع الموقف.

الواقعة فجّرت انقسامًا واضحًا في الرأي العام:

فريق رأى أن ما جرى يعكس سلوكًا عنصريًا وتمييزيًا ضد نساء مسلمات، معتبرًا أن العنف لم يكن ليحدث بهذه الصورة لو كانت النساء غير محجبات.

في المقابل، رأى آخرون أن الشرطة الهولندية تُتهم أحيانًا باستخدام العنف المفرط ضد أشخاص من خلفيات مختلفة، وأن الواقعة لا يجب ربطها بالضرورة بالدين أو الحجاب.

إلا أن طبيعة الفيديوهات المتداولة دفعت شريحة واسعة إلى ترجيح كفة الانتقاد.

صدفة أم عامل خفي؟

أحد أبرز الأسئلة التي أثارتها الواقعة هو ما إذا كان الحجاب لعب دورًا في طريقة تعامل الشرطة مع النساء.

يرى مراقبون أن الحجاب في أوروبا لم يعد يُنظر إليه فقط كرمز ديني، بل أصبح مشحونًا بدلالات سياسية وأمنية، ما يجعل أي احتكاك بين الشرطة ونساء محجبات أكثر قابلية للتصعيد.

ويطرح هذا الواقع تساؤلًا مقلقًا حول ما إذا كانت القوة تُستخدم بسهولة أكبر عندما يكون الطرف الآخر امرأة مسلمة.

وهو ما دفع نشطاء إلى وصف ما جرى بأنه جبن مؤسسي، حيث يتجرأ بعض عناصر الأمن على استخدام العنف المفرط عندما يشعرون بانعدام الخطر الحقيقي، خصوصًا تجاه فئات أقل حماية اجتماعية.

وذهب بعضهم إلى القول إن مثل هذا التصرف لم يكن ليحدث لو كانت النساء غير محجبات أو ينتمين للأغلبية الهولندية.

حتى الآن، لم تُصدر الشرطة الهولندية بيانًا واضحًا يشرح ملابسات الواقعة أو يبرر مستوى القوة المستخدم، كما لم يُعلن عن فتح تحقيق مستقل أو اتخاذ إجراءات فورية بحق العنصر المتورط.

ويرى حقوقيون أن غياب الرد الرسمي لا يقل خطورة عن الحادثة نفسها، إذ يُنظر إلى الصمت المؤسسي في مثل هذه القضايا بوصفه شكلًا من أشكال التواطؤ.

تعيد الواقعة فتح ملف ازدواجية المعايير في الخطاب الأوروبي حول حقوق الإنسان وحقوق المرأة، خاصة عندما تكون المرأة مسلمة أو محجبة.

فبينما ترفع أوروبا شعارات الحرية والكرامة، تظهر مثل هذه المشاهد لتطرح سؤالًا مباشرًا حول مدى شمول هذه القيم، وهل تُطبق على الجميع دون استثناء، أم تبقى مشروطة بالشكل والهوية.

ما جرى في محطة أوتريخت لا يبدو حادثة معزولة بقدر ما يعكس أزمة أعمق في العلاقة بين الأجهزة الأمنية والأقليات الدينية في أوروبا.

القضية لم تعد مجرد فيديو صادم، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى التزام هولندا، وأوروبا عمومًا، بقيم العدالة والمساواة التي طالما تباهت بها.