تهديدات ترامب وتعقيدات هرمز تربك محادثات سويسرا

في ظل استمرار التوترات الإقليمية

تدخل المفاوضات الجارية في منتجع بورجنشتوك السويسري مرحلة حساسة في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتبادل الرسائل السياسية الحادة بين الولايات المتحدة وإيران. فعلى الرغم من أن المحادثات تأتي في إطار مذكرة تفاهم تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام تفاهمات أوسع، فإن الملفات العالقة ما زالت معقدة وتشكل تحدياً كبيراً أمام الطرفين.

التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أضافت مزيداً من الضغوط على أجواء التفاوض، بعدما هدد بشن ضربات جديدة ضد إيران إذا استمرت الجماعات الحليفة لها في لبنان بما وصفه بإثارة التوتر. وفي المقابل، تتمسك طهران بموقفها القائل إن نجاح أي تفاهمات سياسية مرتبط بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان واحترام الالتزامات التي نصت عليها مذكرة التفاهم.

تهديدات ترامب وأهدافها السياسية

يرى عدد من الخبراء أن تصريحات ترامب لا تعني بالضرورة اقتراب مواجهة عسكرية جديدة، بل قد تندرج ضمن سياسة الضغط التفاوضي التي تعتمدها واشنطن للحصول على تنازلات أكبر من الجانب الإيراني.

ويشير الباحث الأمريكي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط كينيث بولاك إلى أن التهديدات العلنية كثيراً ما تستخدم لتحسين الموقع التفاوضي، إلا أنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى تعقيد المحادثات إذا اعتبرها الطرف الآخر محاولة لفرض شروط بالقوة.

ويذهب الدبلوماسي الإيراني السابق حسين موسويان إلى أن طهران تنظر إلى هذه التصريحات باعتبارها جزءاً من معركة سياسية وإعلامية موازية للمفاوضات، مؤكداً أن القيادة الإيرانية تركز حالياً على الحصول على ضمانات اقتصادية قبل الانتقال إلى ملفات أكثر حساسية مثل البرنامج النووي.

لبنان حاضر بقوة على طاولة المفاوضات

ورغم أن المفاوضات تركز رسمياً على تنفيذ مذكرة التفاهم وملف الملاحة البحرية، فإن التطورات في لبنان فرضت نفسها كعامل رئيسي في جميع النقاشات. فاستمرار التوتر بين إسرائيل وحزب الله يهدد أي تقدم سياسي يمكن تحقيقه بين واشنطن وطهران.

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية اللبناني هلال خشان أن الساحة اللبنانية أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الولايات المتحدة وإيران على التأثير في حلفائهما ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع. ويرى أن نجاح تثبيت التهدئة في الجنوب اللبناني قد يفتح الباب أمام تفاهمات إقليمية أوسع، بينما قد يؤدي أي تصعيد جديد إلى تقويض الجهود الدبلوماسية الحالية.

كما يحذر محللون أمنيون من أن حادثاً ميدانياً محدوداً على الحدود اللبنانية قد يكون كافياً لإعادة التوتر إلى مستويات خطيرة، خصوصاً في ظل انعدام الثقة المتبادل بين الأطراف المختلفة.

مضيق هرمز.. الورقة الأكثر حساسية

من أبرز القضايا التي هيمنت على المحادثات مسألة مضيق هرمز، الذي يعد من أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم. وأثار إعلان إيران إعادة إغلاق المضيق أو فرض قيود على الملاحة فيه مخاوف واسعة لدى الأسواق العالمية وشركات الشحن الدولية.

ويؤكد خبير الطاقة روبن ميلز أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق ينعكس فوراً على أسواق الطاقة، حتى لو كان الإغلاق مؤقتاً أو محدوداً. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين ويدفع المستثمرين إلى القلق بشأن استقرار الإمدادات.

أما الباحث في الشؤون الأمنية مايكل نايتس فيرى أن إيران تستخدم المضيق كوسيلة ضغط سياسية أكثر من كونه خياراً استراتيجياً طويل الأمد، لأن الإغلاق الكامل سيؤثر على الاقتصاد الإيراني بنفس القدر الذي سيؤثر فيه على الاقتصاد العالمي.

ماذا تسعى إيران إلى تحقيقه؟

تشير المواقف الإيرانية الأخيرة إلى أن الأولوية الحالية لا تتمثل في الدخول مباشرة في مفاوضات تفصيلية حول البرنامج النووي، بل في الحصول على مكاسب اقتصادية عاجلة. وتطالب طهران بالإفراج عن جزء من أموالها المجمدة وتخفيف بعض العقوبات المالية باعتبار ذلك خطوة ضرورية لبناء الثقة.

وأكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن استعادة الموارد المالية المجمدة تمثل هدفاً أساسياً للمرحلة الحالية، مشيراً إلى أن الاقتصاد الإيراني يحتاج إلى إجراءات عملية تسبق أي اتفاقات طويلة الأمد.

ويرى خبراء اقتصاديون أن القيادة الإيرانية تدرك أهمية تحقيق نتائج ملموسة على المستوى المعيشي والاقتصادي حتى تتمكن من إقناع الرأي العام الداخلي بجدوى استمرار الحوار مع الولايات المتحدة.

الحسابات الأمريكية

من جهتها، تبدو واشنطن حريصة على تجنب اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة وتؤثر على الاقتصاد العالمي. ولهذا السبب تحاول الإدارة الأمريكية الجمع بين الضغط السياسي على إيران والحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة.

ويعتقد أستاذ العلاقات الدولية ولي نصر أن الهدف الأمريكي في المرحلة الحالية ليس التوصل إلى اتفاق شامل وفوري، بل منع انهيار التهدئة الحالية واحتواء الأزمات المتزامنة في لبنان والخليج. ويرى أن تحقيق الاستقرار الميداني يشكل شرطاً أساسياً قبل الانتقال إلى مناقشة الملفات الاستراتيجية الكبرى.

لاقى استمرار المحادثات ترحيباً من الدول الوسيطة، وعلى رأسها قطر وباكستان، اللتان اعتبرتا أن بقاء الوفدين على طاولة التفاوض يمثل مؤشراً إيجابياً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها المنطقة.

كما تتابع الدول الأوروبية تطورات المفاوضات باهتمام كبير بسبب ارتباطها المباشر بأمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية. ويأمل الأوروبيون أن تسهم هذه الجهود في منع حدوث أزمة جديدة قد تؤثر على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.

المشهد الحالي يشير إلى أن الطريق نحو اتفاق شامل لا يزال طويلاً، لكن استمرار التواصل بين الجانبين رغم التهديدات والتوترات يعد تطوراً مهماً. فجميع الأطراف تدرك أن العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة ستكون مكلفة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.

ومن المرجح أن تركز الجولات المقبلة على ثلاثة ملفات رئيسية: ضمان استمرار وقف إطلاق النار في لبنان، تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، وخلق إجراءات اقتصادية محدودة لبناء الثقة بين واشنطن وطهران. وإذا تحقق تقدم ملموس في هذه الملفات، فقد تصبح الظروف أكثر ملاءمة للانتقال إلى مفاوضات أوسع حول البرنامج النووي والعقوبات.

في النهاية، يبدو أن مستقبل هذه المفاوضات لن يتحدد داخل قاعات الاجتماعات فقط، بل أيضاً من خلال التطورات الميدانية في لبنان والخليج. فإذا نجحت الأطراف في منع أي تصعيد جديد، ستزداد فرص استمرار المسار الدبلوماسي. أما إذا عادت المواجهات العسكرية، فقد تتراجع فرص التفاهم وتدخل المنطقة مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.

اترك تعليقا