تناقض الغرب بين التشرّد داخليا وسياسات مكافحة الهجرة
بريطانيا تنفق المليارات لوقف المهاجرين
- محمود الشاذلي
- 27 أكتوبر، 2025
- اخبار العالم, تقارير
- أزمة التشرّد والسكن, برمنغهام, بريطانيا, حساب الكرامة الإنسانية, صحيفة الغارديان, ليفربول, مانشستر, منع الهجرة غير الشرعية, وقف المهاجرين
تشهد الدول الأوروبية، وبريطانيا على وجه الخصوص، تناقضًا صارخًا بين استثماراتها الضخمة في منع الهجرة غير الشرعية وبين عجزها عن معالجة أزمات اجتماعية داخلية خطيرة، أبرزها أزمة التشرّد والسكن.
ففي الوقت الذي تدفع فيه لندن وبروكسل مليارات الجنيهات واليورو لعقد صفقات مع دول أفريقية وآسيوية لوقف المهاجرين، يعيش مئات الآلاف من المواطنين الأوروبيين بلا مأوى أو أمان.
يهدف هذا التقرير إلى استعراض حجم المشكلة، وكشف المفارقة بين “الخوف من القادم” و”الإهمال للداخل”، وما يترتب عليها من آثار إنسانية واقتصادية وسياسية عميقة.
ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن المدن الكبرى مثل مانشستر، برمنغهام، وليفربول تسجل أعلى معدلات للتشرّد في البلاد.
ووفقًا للتقرير:
-
يعيش أكثر من 354 ألف شخص في بريطانيا بلا مأوى في أي ليلة.
-
أي بمعدل شخص واحد من كل 160 مواطنًا.
-
من بينهم 161 ألف طفل تقريبًا، أي نحو 45% من الإجمالي.
ولا يعني التشرّد فقط النوم في الشوارع، بل يشمل أيضًا الإقامة في مساكن مؤقتة، أو التنقل المستمر بين بيوت الأصدقاء، أو العيش في فنادق رخيصة وملاجئ طارئة.
تعود جذور أزمة التشرّد إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية، من أبرزها:
-
ارتفاع الإيجارات بوتيرة أسرع من نمو الأجور.
-
نقص المساكن الاجتماعية منذ ثمانينات القرن الماضي.
-
التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصًا في مجالي الطاقة والغذاء.
-
سياسات التقشف التي قلّصت الإنفاق العام على الخدمات.
-
انتشار العمالة غير المستقرة والأجور المنخفضة.
بينما يعاني مئات الآلاف داخل أوروبا من غياب السكن، تواصل الحكومات الأوروبية إنفاق مليارات اليوروهات سنويًا للحد من الهجرة غير الشرعية، عبر صفقات واتفاقيات تمتد خارج حدودها.
-
6 مليارات يورو لتركيا لوقف اللاجئين.
-
اتفاقات مماثلة مع ليبيا، تونس، المغرب ومصر.
-
بلغت ميزانية وكالة Frontex نحو 5.6 مليارات يورو (2021–2027).
-
إنشاء أنظمة مراقبة بحرية وجوية متقدمة.
-
بناء جدران وأسوار حدودية في عدد من الدول.
-
مراكز مكتظة في اليونان وإيطاليا وإسبانيا.
-
رحلات ترحيل مكلفة وسط انتقادات حقوقية واسعة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
كيف تنفق بريطانيا مليارات الجنيهات لمنع دخول أشخاص يبحثون عن مأوى، بينما 354 ألفًا من مواطنيها بلا مأوى بالفعل؟
لو استُثمرت أموال مكافحة الهجرة في بناء مساكن اجتماعية — بتكلفة تتراوح بين 150 و200 ألف جنيه إسترليني للمسكن الواحد — لكان بالإمكان تقليص الأزمة جذريًا.
إضافة إلى ذلك، تشير دراسات اقتصادية إلى أن المهاجرين غالبًا يساهمون في الناتج المحلي أكثر مما يستهلكون من خدمات عامة.
بينما ينام آلاف الأطفال البريطانيين في الشوارع، تُغلق الحدود أمام أطفال لاجئين يبحثون عن الأمان.
هذه المفارقة تجسّد ازدواجية المعايير الإنسانية في السياسات الأوروبية.
تُستخدم قضية الهجرة في كثير من الأحيان كأداة انتخابية لصرف أنظار الجمهور عن فشل السياسات الداخلية، وتحويل الغضب الشعبي نحو “الآخر”.
في ظل هذا المناخ، يعمل الإعلام والأحزاب اليمينية على تضخيم المخاوف عبر ترويج روايات مثل:
-
“المهاجرون يسرقون الوظائف.”
-
“يستحوذون على المساكن.”
-
“يشكّلون عبئًا على الخدمات العامة.”
إلا أن الواقع يؤكد أن الأزمة الحقيقية في فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لا في وجود المهاجرين.
بل إن المهاجرين أنفسهم يشكّلون نسبة كبيرة من العاملين في القطاع الصحي والخدمات الأساسية في بريطانيا.
منذ عهد مارجريت تاتشر، بدأت بريطانيا تفكيك دولة الرفاه عبر سياسات نيوليبرالية تمثلت في:
-
خصخصة المساكن العامة (Right to Buy).
-
خفض الضرائب على الأثرياء.
-
تقليص الإنفاق الاجتماعي والخدمات الحكومية.
نتيجة لذلك، اتسعت الفجوة الطبقية وظهر جيل جديد يُعرف بـ“العمال الفقراء” — أشخاص يعملون بدوام كامل لكنهم عاجزون عن دفع الإيجار أو امتلاك سكن.
تنفق بريطانيا سنويًا على مكافحة الهجرة:
-
3 مليارات جنيه لمعالجة طلبات اللجوء.
-
500 مليون للاحتجاز والترحيل.
-
700 مليون للمراقبة الحدودية.
📊 الإجمالي: أكثر من 4 مليارات جنيه سنويًا.
وبهذا المبلغ يمكن:
بناء 20 ألف مسكن اجتماعي جديد كل عام.
دعم جميع المشردين البالغ عددهم 354 ألفًا.
تمويل برامج تدريب وتوظيف.
دعم خدمات الصحة النفسية والإدمان.
-
وفاة آلاف المهاجرين في البحر المتوسط.
-
انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في مراكز الاحتجاز.
-
تصاعد الكراهية والعنصرية في المجتمعات الأوروبية.
-
تآكل قيم “الحرية والمساواة” التي تتفاخر بها أوروبا.
-
صعود التيارات اليمينية المتطرفة.
-
تراجع الثقة في المؤسسات الديمقراطية.
-
إطلاق برنامج واسع لبناء المساكن العامة.
-
تنظيم الإيجارات وفرض ضرائب على المساكن الفارغة.
-
رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة.
-
إصلاح النظام الضريبي لتقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
-
تبني سياسة هجرة أكثر إنسانية وواقعية.
-
فتح طرق قانونية وآمنة للجوء.
-
توزيع عادل للاجئين بين الدول الأعضاء.
-
وقف التعاون مع الأنظمة القمعية.
-
دعم التنمية في دول الجنوب بدلًا من تمويل القمع.
إن التناقض بين أزمة التشرّد الأوروبية والإنفاق الضخم على مكافحة الهجرة يكشف أن المشكلة ليست في عدد البشر، بل في ترتيب الأولويات.
فأوروبا التي تتفاخر بحقوق الإنسان، تترك مواطنيها في الشوارع وتغلق أبوابها في وجه الفارين من الحروب والفقر.
في النهاية، العدو الحقيقي ليس المهاجر الفقير — بل النظام الذي يفضّل حماية الثروة على حساب الكرامة الإنسانية.