تعديلات دستورية في باكستان حصانة الجيش أم تهديد للديمقراطية

القرار أثار مخاوف من تقويض الديمقراطية

أثار البرلمان الباكستاني جدلاً واسعًا بعد الموافقة على تعديلات دستورية مثيرة للجدل تمنح قائد الجيش، المشير عاصم منير، حصانة مدى الحياة وتوسيع صلاحياته داخل المؤسسة العسكرية والسياسية. 

القرار أثار مخاوف من تقويض الديمقراطية وإمكانية ترسيخ نفوذ الجيش على حساب الحكومة المدنية، وسط انقسام واضح في الرأي العام بين مؤيدين يرون فيه ضمانًا للاستقرار، ومعارضين يعتبرونه خطوة نحو ديكتاتورية عسكرية مقنّعة.

المتحدث باسم الحكومة أكد أن التعديلات تهدف إلى “تعزيز الاستقرار الوطني وحماية المؤسسات العسكرية”، بينما حذر خبراء حقوق الإنسان والقانون من أن الحصانة الدائمة تُضعف آليات المساءلة وتفتح الباب أمام تجاوزات محتملة.

صعود المشير عاصم منير ونفوذه المتزايد

المشير عاصم منير هو قائد الجيش الباكستاني الحالي وأحد أبرز الشخصيات العسكرية في البلاد، ويتمتع بشبكة نفوذ واسعة داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.

ويعتبر وصوله إلى هذه المرتبة تتويجًا لمسيرة طويلة بدأت في سلك الضباط المتخصصين في التخطيط الاستراتيجي، مرورًا بقيادته وحدات حاسمة في الحدود الشمالية، وصولًا إلى توليه قيادة الجيش كاملاً.

الدكتور سيف الرحمن خان، أستاذ العلاقات المدنية العسكرية في جامعة إسلام آباد، يصف التعديلات بأنها تجعل المشير “فوق المؤسسات وليس جزءًا منها”، مضيفًا: “هذا يمنحه قدرة غير مسبوقة على اتخاذ قرارات استراتيجية وسياسية دون مراقبة فعلية من الحكومة أو البرلمان.”

وعلى الرغم من خبرة المشير الواسعة، يرى بعض المحللين أن الحصانة الدائمة قد تقود إلى انزلاق السلطة العسكرية إلى فراغ سياسي، حيث يصبح قائد الجيش شخصية شبه مستقلة عن القانون والدستور، ما يهدد التوازن بين المؤسسات المدنية والعسكرية في البلاد.

جوهر التعديلات: حصانة وصلاحيات موسعة

شملت التعديلات الدستورية نقاطًا رئيسية تهدف، وفق الحكومة، إلى حماية المؤسسة العسكرية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية:

1. حصانة مدى الحياة: أصبح المشير محصنًا من أي ملاحقات قضائية أو مدنية خلال ولايته وما بعدها، حتى بعد انتهاء الخدمة العسكرية.

2. توسيع صلاحيات مجلس الأمن القومي: الذي يسيطر عليه الجيش، ليصبح له دور أكبر في رسم السياسات الداخلية والخارجية.

3. إعادة هيكلة المناصب العسكرية العليا: لتصبح تحت سيطرة المشير مباشرة، مع تقليص دور الحكومة في التعيينات والقرارات.

4. تقليص دور المحكمة العليا في القضايا الدستورية والعسكرية: ما يحد من قدرة القضاء على مساءلة قرارات الجيش أو التدخل في القضايا الدستورية المتعلقة بالمؤسسة العسكرية.

المحامي فهد عالم يحذر من أن الحصانة الدائمة تُعد سابقة خطيرة في تاريخ البلاد، قائلًا: “هذا النوع من التعديلات يضع مؤسسة الجيش خارج دائرة المساءلة، ويعزز مناخًا يمكن أن يتسبب في استغلال السلطة، سواء في القرارات العسكرية أو السياسية.”

بينما ترى الحكومة أن التعديلات “تحمي المؤسسات من الانقسامات الداخلية وتتيح للقيادة العسكرية التركيز على مهامها الوطنية”، إلا أن مراقبين مستقلين يشككون في قدرة هذه الإجراءات على تحسين الأداء العسكري دون المساس بالرقابة القانونية والمدنية.

مواقف متباينة: الاستقرار أم الديكتاتورية؟

الجدل حول التعديلات الدستورية كان حاضرًا بقوة على المستوى الشعبي والسياسي.

المؤيدون يرون أن هذه التعديلات ضرورية للحفاظ على استقرار الدولة في ظل التهديدات الأمنية المستمرة، سواء من الداخل أو الخارج. العميد

المتقاعد رضا شريف يقول: “الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على الحفاظ على تماسك الدولة في مواجهة التحديات الإقليمية، وحماية قائد الجيش من الملاحقة القضائية يضمن استمرار هذا الاستقرار.”

لكن المعارضة كانت أكثر تشددًا، معتبرة أن منح الحصانة الدائمة قد يمهد لمرحلة جديدة من “حكم الفرد” على حساب المؤسسات الديمقراطية.

البرلماني عمر فاروق يرى أن التعديلات “تمهد الطريق لتفرد قائد الجيش بالسلطة، وتضعف دور البرلمان والقضاء، ما يهدد الحقوق المدنية والحريات الأساسية.”

الخبيرة في الدراسات الأمنية، دكتورة ماهين علي، ترى أن هذه الخطوة “قد تؤسس لحكم سلطوي مقنّع، حيث يصبح قائد الجيش خارج نطاق الرقابة القانونية، وهذا ما يخلق خطرًا على الديمقراطية الباكستانية طويلة الأمد.”

المواقف الدولية أيضًا لم تكن متجانسة، إذ أعربت بعض الجهات الغربية عن قلقها من آثار هذه التعديلات على سيادة القانون، بينما رفضت حكومة باكستان أي تدخل خارجي معتبرة أن الأمر شأن داخلي يخص أمن واستقرار البلاد.

مستقبل الديمقراطية والشفافية في باكستان

الخبراء القانونيون يرون أن منح الحصانة الدائمة يخلق بيئة خصبة للفساد ويقلل من الرقابة على المؤسسة العسكرية.

أستاذ العلوم السياسية نظير قريشي يقول: “هذه التعديلات قد تكون البداية التدريجية للديكتاتورية، حيث يزداد نفوذ الجيش على السياسة ويصبح القائد العسكري خارج نطاق المساءلة القانونية، وهذا يضعف مبادئ الديمقراطية بشكل مباشر.”

الخبراء الاقتصاديون يشيرون أيضًا إلى تأثير هذه التعديلات على الاستثمار والثقة الدولية، حيث قد ينظر المستثمرون إلى بيئة سياسية غير مستقرة ومتحكمة من قبل قيادة عسكرية غير خاضعة للمساءلة على أنها مخاطرة.

في المقابل، يشدد بعض السياسيين المؤيدين على أن الخطوة تهدف إلى “حماية الدولة من الفوضى الداخلية والتدخلات السياسية التي قد تعيق أداء الجيش في حماية الأمن القومي”، مؤكدين أن البرلمان سيظل له دور استشاري في بعض القرارات، رغم تقليص صلاحياته المباشرة على الجيش.

أما على المستوى الشعبي، فقد ظهرت مظاهرات محدودة ضد التعديلات، خصوصًا بين نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات المدنية، مطالبين بالشفافية وفرض قيود على السلطة العسكرية. في المقابل، عبّر قطاعات من المجتمع عن دعمها للجيش،

معتبرين أن استقرار البلاد وتحقيق الأمن أولوية قصوى حتى على حساب بعض المبادئ الديمقراطية.

ختامًا، يبدو أن باكستان تقف عند مفترق طرق بين الحفاظ على استقرار الدولة وتأمين القوات المسلحة من جهة، وبين حماية الديمقراطية وسيادة القانون من جهة أخرى.

هذه التعديلات الدستورية، التي تمنح الحصانة للمشير عاصم منير وتوسع صلاحيات الجيش، قد تمثل اختبارًا حقيقيًا لنضوج الديمقراطية الباكستانية وقدرتها على التكيف مع نفوذ المؤسسة العسكرية المتزايد.

يبقى السؤال الكبير: هل ستنجح الحكومة المدنية والقضاء في استعادة التوازن بين السلطات، أم أن باكستان ستشهد مرحلة جديدة من النفوذ العسكري المطلق؟ التجربة المقبلة ستكون حاسمة ليس فقط على المستوى السياسي، بل على مستقبل الحقوق المدنية والشفافية والمساءلة في البلاد.