تصنيف مصر الائتماني السيادي يرتفع لأول مرة منذ 7 سنوات

مصر لا تزال عرضة للصدمات في أسواق الطاقة والغذاء

الرائد الاقتصادي| أكدت وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال للتصنيفات الائتمانية تصنيفات مصر الائتمانية السيادية طويلة وقصيرة الأجل بالعملة الأجنبية والمحلية عند مستوى “B/B”، مع الحفاظ على نظرة مستقبلية مستقرة، في حين حذرت من أن الصراع الإقليمي المستمر بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير، يضع ضغطاً متجدداً على الموقف الخارجي للبلاد.

رفعت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني السيادي لمصر لأول مرة منذ 7 سنوات، مشيرة إلى الإصلاحات الاقتصادية والنمو القوي.

يعني التصنيف الائتماني المضمون أن مصر قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية في الوقت الراهن، لكنها تواجه مخاطر كبيرة، لا سيما من الصدمات الاقتصادية أو الضغوط الخارجية. وعلى المدى القصير، يشير التصنيف إلى أن الدولة لا تزال قادرة على سداد ديونها، إلا أن هذه القدرة عرضة للظروف المعاكسة.

ذكرت الوكالة في تقريرها عن مصر أن مصر لا تزال عرضة للصدمات في أسواق الطاقة والغذاء العالمية، مع احتمال أن تؤدي الضغوط الخارجية إلى تفاقم التضخم وإبقاء أسعار الفائدة المحلية مرتفعة لفترة طويلة. ومع ذلك، أشارت إلى أن البلاد تمتلك الآن احتياطيات خارجية أقوى مما كانت عليه في الأزمات السابقة، مدعومة باحتياطيات دولية أعلى، وسعر صرف أكثر مرونة، واستمرار إمكانية الوصول إلى التمويل متعدد الأطراف.

أبقت وكالة ستاندرد آند بورز على تقييمها للتحويلات وقابلية تحويل العملة في مصر عند مستوى “B”، مشيرة إلى أن النظرة المستقبلية المستقرة تعكس توازناً بين آفاق النمو على المدى المتوسط ​​وزخم الإصلاحات المستمر في مواجهة المخاطر الجيوسياسية المتزايدة.

تتزايد الضغوط الخارجية

أشار التقرير إلى أن الوضع الخارجي لمصر بات أكثر عرضة للصدمات العالمية. فقد أصبحت مصر مستورداً صافياً للطاقة منذ عام 2023، حيث تمثل واردات الوقود والغاز حوالي 22% و8% من إجمالي واردات السلع على التوالي.

أدت انقطاعات تدفق الغاز من حقل ليفياثان الإسرائيلي، الذي يزود مصر بنحو 60% من وارداتها من الغاز ، إلى إجبار السلطات على تطبيق إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة. في الوقت نفسه، لا تزال مصر، إحدى أكبر مستوردي القمح في العالم، شديدة التأثر بتقلبات أسعار الغذاء العالمية.

قامت وكالة ستاندرد آند بورز بتعديل توقعاتها لعجز الحساب الجاري إلى 4.8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025/2026، التي تنتهي في أواخر يونيو 2026، ارتفاعاً من 4.1 بالمائة المتوقعة في أكتوبر 2025 و4.2 بالمائة في السنة المالية 2024/2025.

وأشار التقرير أيضاً إلى أن تدفقات رأس المال الأجنبي الخارجة بلغت نحو 10 مليارات دولار أمريكي خلال شهر واحد من اندلاع النزاع، مما يعكس مدى تأثر مصر بتقلبات شهية المخاطرة العالمية. وانخفضت حيازات الأجانب من الديون المحلية إلى 27.1 مليار دولار أمريكي في 25 مارس، بعد أن كانت 38.1 مليار دولار أمريكي في يناير.

حواجز وقائية أقوى من الأزمات السابقة

 

رغم الضغوط المتزايدة، استطاعت مصر بناء قدرة كبيرة على الصمود. فقد ارتفعت احتياطياتها الدولية إلى 52.8 مليار دولار في مارس 2026، مقارنة بـ 41 مليار دولار عند اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022.

بلغ صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي مستوى قياسياً قدره 30 مليار دولار في يناير 2026، مما وفر حماية ضد تدفقات رأس المال إلى الخارج. وتتوقع وكالة ستاندرد آند بورز أن تستوعب البنوك أي تدفقات إضافية إلى الخارج قبل أن تؤثر على احتياطياتها.

كما أكدت الوكالة التزام مصر بسعر صرف تحدده السوق، مشيرة إلى أن الجنيه قد انخفض بنحو 13 في المائة مقابل الدولار الأمريكي منذ اندلاع الحرب، مع امتناع السلطات عن التدخل بما يتماشى مع الإصلاحات التي يدعمها صندوق النقد الدولي .

التضخم والسياسة النقدية

 

وفي هذا الصدد، أشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء العالمية من المتوقع أن يُبقي الضغوط التضخمية على البلاد. وقد تسارع معدل التضخم الرئيسي إلى 15.2% على أساس سنوي في مارس 2026، بعد أن بلغ أدنى مستوى له في 46 شهراً في يناير.

وأضاف أن البنك المركزي المصري أبقى أسعار الفائدة القياسية دون تغيير عند 19% للودائع و20% للإقراض في أبريل، مما أوقف دورة التيسير التراكمية البالغة 825 نقطة أساس (8.25%) التي بدأت في أبريل 2025.

تتوقع وكالة ستاندرد آند بورز أن يبلغ متوسط ​​معدل التضخم في مصر حوالي 15 بالمائة في السنة المالية الحالية 2025/2026 والسنة المالية المقبلة 2026/2027، قبل أن ينخفض ​​إلى تسعة بالمائة بحلول السنة المالية 2028/2029، على الرغم من أن المخاطر لا تزال مرتبطة بمدة النزاع.

توقعات النمو والإصلاحات

 

بحسب التقرير، من المتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي وسط تزايد حالة عدم اليقين. نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 5.3% في النصف الأول من السنة المالية 2025/2026، لكن وكالة ستاندرد آند بورز عدّلت توقعاتها للعام بأكمله بالخفض قليلاً إلى 4.7%، من 4.8%، وإلى 4.3% في السنة المالية 2026/2027.

وقد حفز النمو قطاع الصناعات التحويلية غير النفطية (16 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي)، وقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (9 بالمائة)، والسياحة (4 بالمائة)، حيث استقبلت مصر رقماً قياسياً بلغ 19 مليون زائر في عام 2025.

وذكر التقرير أن التوقعات متوسطة المدى لمصر تعتمد على المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص، وتقليل البصمة الاقتصادية للدولة، وتحسين بيئة الأعمال.

الضغوط المالية مستمرة

تتوقع وكالة ستاندرد آند بورز أن تسجل مصر عجزًا في الميزانية بنسبة 7.1% من الناتج المحلي الإجمالي وفائضًا أوليًا بنسبة 4% في السنة المالية 2025/2026. ومع ذلك، لا تزال خدمة الدين تشكل تحديًا رئيسيًا، حيث تستهلك مدفوعات الفائدة 82% من إجمالي الإيرادات في الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية الحالية (يوليو 2025 – مارس 2026).

من المتوقع أن ينخفض ​​الدين الحكومي إلى 89 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول يونيو 2026، من 94 بالمائة في يونيو 2023، وإلى 83 بالمائة بحلول عام 2029، على الرغم من أن احتياجات التمويل الإجمالية لا تزال أعلى من 40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.

التمويل والدعم الخارجي

لا تزال مصر تستفيد من دعم خارجي كبير. فقد وسّع صندوق النقد الدولي برنامجه إلى 8 مليارات دولار في مارس 2024، مع صرف ملياري دولار بموجب أحدث المراجعات، إلى جانب 273 مليون دولار في تسهيلات إضافية.

كما حصلت البلاد على أكثر من 10 مليارات دولار من التمويل متعدد الأطراف، بما في ذلك حزمة بقيمة 7.4 مليار يورو (8.1 مليار دولار) من الاتحاد الأوروبي.

لا يزال الشركاء الخليجيون مصدراً رئيسياً للتمويل. وتشمل الاستثمارات البارزة مشروع رأس الحكمة المدعوم من الإمارات العربية المتحدة بقيمة 35 مليار دولار، وصفقة سياحية مع قطر بقيمة 30 مليار دولار، وودائع بقيمة 18 مليار دولار من دول مجلس التعاون الخليجي في البنك المركزي المصري.

المخاطر والتوقعات

حذرت وكالة ستاندرد آند بورز من أن الصراع المطول قد يضعف التحويلات المالية، التي يأتي حوالي 70 بالمائة منها من دول مجلس التعاون الخليجي، ويؤثر سلباً على السياحة وعائدات قناة السويس.

ومع ذلك، تُظهر البيانات الحديثة أن إيرادات قناة السويس ارتفعت بنسبة 21 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 3 مليارات دولار في الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية 2025/2026، مقارنة بـ 2.5 مليار دولار في العام السابق.

أشار التقرير إلى إمكانية خفض التصنيف الائتماني لمصر في حال تراجع زخم الإصلاحات، أو عودة نقص العملات الأجنبية، أو ارتفاع تكاليف الاقتراض. في المقابل، قد يرتفع التصنيف الائتماني في حال تسارع وتيرة خفض الدين، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحقيق تقدم في التنويع الاقتصادي والخصخصة.

بشكل عام، خلصت وكالة ستاندرد آند بورز إلى أنه في حين أن برنامج الإصلاح في مصر والدعم الخارجي يوفران درجة من المرونة، إلا أن البلاد لا تزال معرضة بشدة للصدمات الجيوسياسية الإقليمية وتقلبات السوق العالمية.

في الأسبوع الماضي، أكدت وكالة موديز الأمريكية للتصنيف الائتماني تصنيف مصر الائتماني السيادي عند Caa1 مع الحفاظ على نظرة مستقبلية إيجابية.

يشير هذا الإجراء إلى أن وكالة موديز ترى أن التصنيف الائتماني لمصر لا يزال ينطوي على مخاطر ائتمانية عالية للغاية، ولكنه يشهد تحسناً في الآفاق المستقبلية. وقد أبقت الوكالة على النظرة المستقبلية الإيجابية، التي منحتها لأول مرة في مارس 2024، والتي تعكس توقعاتها بأن عبء ديون مصر ووضعها الخارجي قد يتحسنان تدريجياً إذا استمرت الإصلاحات الجارية وظروف التمويل في التقدم.

من الناحية العملية، يشير هذا الإجراء إلى أن وكالة موديز تنتظر تحسينات أكثر وضوحاً واستدامة قبل النظر في أي ترقية، مع الاعتراف بأن الظروف قد استقرت بما يكفي لتجنب خفض التصنيف.