تصاعد الهندوتفا يهدد حقوق المسلمين في الهند
باعتبارها الإطار الناظم لهوية الدولة والمجتمع.
- السيد التيجاني
- 15 يناير، 2026
- تقارير
- المسلمين, الهند, الهندوتفا, الهندوس, حزب بهاراتيا جاناتا, ناريندرا مودي, نيودلهي
تشهد الهند في عهد حكومة ناريندرا مودي تحولات عميقة في طبيعة الخطاب السياسي ومفهوم المواطنة، وهو ما عبّر عنه بوضوح أسد الدين أويسي، رئيس حزب مجلس اتحاد المسلمين لعموم الهند (AIMIM). فبحسب أويسي، لم تعد المشكلة مقتصرة على سياسات متفرقة، بل أصبحت مشروعًا متكاملًا يسعى إلى فرض أيديولوجيا “الهندوتفا” باعتبارها الإطار الناظم لهوية الدولة والمجتمع.
الهندوتفا، التي يتبناها حزب بهاراتيا جاناتا (BJP)، تقوم على تصور للهند كدولة هندوسية في جوهرها، ما يضع الأقليات، وعلى رأسها المسلمون، في موقع الشك الدائم. تصريح أويسي بأن المسلمين يُوصَفون بـ”البنغلاديشيين” لمجرد انتمائهم الديني يعكس هذا المنحى الخطير، حيث يجري التشكيك في وطنية مواطنين هنود عاشوا في البلاد لأجيال.
الكاتب والصحفي الهندي المعروف راماشاندر غوها حذّر مرارًا من هذا التوجه، معتبرًا أن “القومية الدينية تهدد الأسس الدستورية للهند أكثر من أي خطر خارجي”. ويرى غوها أن استخدام الدين كمعيار للانتماء الوطني يقوّض فكرة الهند كدولة جامعة، ويحوّل الديمقراطية إلى أداة إقصاء بدلًا من أن تكون إطارًا للمساواة.
تسييس المؤسسات والقانون: من الديمقراطية إلى الإقصاء
أحد أخطر الاتهامات التي وجّهها أويسي يتمثل في تسييس لجنة الانتخابات والتلاعب بقوائم الناخبين. فالتعديل الخاص بسجلات الناخبين، الذي تقول الحكومة إنه يهدف إلى “تنقية” القوائم، يُنظر إليه من قبل المسلمين على أنه وسيلة منظمة للتشكيك في جنسيتهم وإقصائهم من العملية الانتخابية.
الناشطة الحقوقية الهندية نيفيشا جايان، من مركز دراسات القانون والمجتمع في نيودلهي، ترى أن “إجراءات التحقق من الجنسية تُطبّق بشكل غير متكافئ، وغالبًا ما تستهدف الأحياء الفقيرة ذات الأغلبية المسلمة”. وتضيف أن هذا النمط يعكس استخدام القانون كأداة سياسية، لا كوسيلة لتحقيق العدالة.
ازدواجية المعايير التي تحدث عنها أويسي في إدارة المؤسسات الدينية تعمّق هذا الإحساس بالاستهداف. فبينما يُسمح بتدخل الدولة أو غير المسلمين في شؤون المؤسسات الإسلامية، تبقى المؤسسات الدينية الهندوسية محصّنة سياسيًا واجتماعيًا. هذا التناقض، بحسب أويسي، يكشف أن القضية ليست “إصلاحًا دينيًا” بل محاولة للهيمنة والتحكم.
منظمة “هيومن رايتس ووتش” كانت قد حذّرت في تقارير سابقة من أن السياسات الهندية الأخيرة “تخلق مناخًا من الخوف والتمييز المنهجي ضد المسلمين”. أما منظمة العفو الدولية (أمنستي)، فقد وصفت بعض الإجراءات، مثل قوانين المواطنة وهدم المنازل في أحياء مسلمة، بأنها “عقاب جماعي يتعارض مع القانون الدولي”.
ردود الفعل الدولية والإسلامية: قلق متزايد وصمت رسمي
على الصعيد الدولي، أثارت التطورات في الهند قلقًا متزايدًا، وإن ظل هذا القلق في كثير من الأحيان حذرًا بسبب ثقل الهند السياسي والاقتصادي.
منظمة التعاون الإسلامي (OIC) أعربت في أكثر من مناسبة عن “قلقها العميق إزاء أوضاع المسلمين في الهند”، داعية الحكومة الهندية إلى احترام حقوق الأقليات وضمان حريتهم الدينية.
وزير الخارجية الماليزي الأسبق، سيف الدين عبد الله، صرّح في ندوة دولية بأن “ما يحدث في الهند ليس شأنًا داخليًا بحتًا، بل قضية تتعلق بحقوق الإنسان العالمية”. وأكد أن صمت المجتمع الدولي قد يُفسَّر على أنه ضوء أخضر لمزيد من الانتهاكات.
في العالم الإسلامي، تباينت ردود الفعل بين بيانات رسمية خجولة ومواقف شعبية أكثر حدة. فقد شهدت بعض الدول الإسلامية نقاشات برلمانية وإعلامية حول وضع المسلمين في الهند، بينما دعا علماء ومفكرون مسلمون، مثل الداعية الهندي المقيم في الخارج ذاكر نايك، إلى تحرك قانوني ودبلوماسي منظم بدل الاكتفاء بخطاب الإدانة.
في المقابل، يلاحظ مراقبون أن كثيرًا من الحكومات الإسلامية تتجنب التصعيد مع نيودلهي بسبب المصالح الاقتصادية والعلاقات الاستراتيجية. هذا التردد يعمّق شعور المسلمين الهنود بالعزلة، ويجعل دعوة أويسي إلى الوحدة الداخلية أكثر إلحاحًا.
بين الهوية والديمقراطية: إلى أين تتجه الهند؟
دعوة أويسي إلى عدم التصويت لمن “يسلبون المساجد والمزارات” تعبّر عن انتقال الصراع من حيز السياسة اليومية إلى مستوى الوجود والهوية. فهذه الأماكن ليست مجرد مبانٍ دينية، بل شواهد تاريخية على حضور المسلمين في شبه القارة الهندية منذ قرون.
المحلل السياسي الهندي براتاب بهانو ميهتا يرى أن “الهند تقف عند مفترق طرق: إما أن تعيد تأكيد التزامها بالتعددية الدستورية، أو تنزلق نحو نموذج ديمقراطي شكلي تحكمه أغلبية دينية”. ويؤكد أن استمرار تهميش الأقليات سيقود حتمًا إلى توترات اجتماعية طويلة الأمد.
في النهاية، يضع خطاب أويسي الحكومة الهندية أمام اختبار أخلاقي وسياسي. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الانتخابات، بل بمدى شعور كل مواطن، مهما كان دينه، بأنه متساوٍ أمام القانون.
تجاهل هذه الحقيقة، كما يحذر كثيرون، قد يترك جرحًا عميقًا في النسيج الهندي، ويحوّل واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم إلى ساحة صراع هوياتي مفتوح.