ترمب يضغط على نتنياهو بملف «حزب الله»

مخاوف سورية من التدخل العسكري في لبنان

رغم تأكيد دمشق عدم وجود نية للعودة إلى التدخل العسكري في لبنان، فإن أي حديث عن دور سوري جديد يثير مخاوف داخل الأوساط السورية، خصوصًا في ظل سعي القيادة السورية الجديدة إلى بناء علاقات إقليمية أكثر توازنًا والابتعاد عن صراعات المنطقة.

ويرى مراقبون أن أي انخراط سوري في الملف اللبناني قد يعيد فتح ملفات حساسة مرتبطة بالانقسامات الداخلية والطائفية، في وقت تواجه فيه سوريا تحديات أمنية وسياسية داخلية.

وقال الباحث السياسي والعسكري رشيد حوراني إن أبرز المخاوف من أي تدخل سوري محتمل تتمثل في إمكانية عودة التوترات الداخلية، خاصة مع وجود شبكات نفوذ مرتبطة بإيران وحلفائها داخل سوريا، مشيرًا إلى أن سنوات الوجود الإيراني ودور «حزب الله» أسهما في تشكيل شبكات نفوذ ممتدة داخل الأراضي السورية.

وأوضح حوراني أن العلاقة السورية اللبنانية الجديدة لا ينبغي اختزالها في ملف «حزب الله» فقط، لافتًا إلى أن الدولة اللبنانية أعلنت مواقف واضحة تجاه تحركات الحزب العسكرية والأمنية.

وأضاف أن تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحديث عن إمكانية طلب مساعدة سوريا في مواجهة «حزب الله» قد يحمل أبعادًا سياسية، من بينها محاولة فصل ملف الحزب عن العلاقة مع إيران بعد التفاهمات التي جرت معها.

وأشار إلى أن واشنطن قد تكون مهتمة باستثمار نتائج الدور العسكري الذي لعبه «حزب الله» في سوريا خلال السنوات الماضية، ضمن محاولة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

ولم يستبعد حوراني إمكانية قيام سوريا بدور محدود في لبنان إذا ظهرت مصالح مباشرة، مثل تحقيق انسحاب إسرائيلي من جنوب سوريا أو الوصول إلى تفاهمات أمنية جديدة.

وأضاف أن الحديث عن استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية بالتزامن مع تصريحات ترمب قد يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة، شرط أن يكون أي دور سوري محتمل محددًا من حيث الزمان والمكان.

كما أشار إلى احتمال تحرك سوريا إذا استمرت محاولات إيران لإعادة بناء نفوذها داخل الأراضي السورية بمساعدة «حزب الله»، موضحًا أن السلطات السورية سبق أن اتهمت الحزب بالمسؤولية عن أعمال تخريبية في مناطق مختلفة.

من جانبه، رأى الباحث في مركز الدراسات «جسور» وائل علوان أن وجود دور سوري في لبنان مستقبلًا أمر غير مستبعد، لكنه لن يكون بالشكل الذي توحي به تصريحات ترمب.

وأوضح أن أي دور محتمل سيكون بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني، وسيكون محدودًا جغرافيًا وزمنيًا، ويرتبط بشكل أساسي بحماية الحدود السورية والمناطق القريبة منها.

إسرائيل: الدور السوري ضد «حزب الله» طرح سياسي أكثر من كونه خطة عسكرية

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي بشأن إمكانية تولي سوريا مهمة مواجهة «حزب الله» اهتمامًا داخل إسرائيل، إلا أن التقديرات الأمنية الإسرائيلية اعتبرت أن الفكرة بعيدة عن التطبيق العملي في الوقت الحالي.

وبعد نقاشات داخل المؤسسات الأمنية الإسرائيلية، خلصت التقديرات إلى أن الطرح لا يمكن التعامل معه باعتباره خطة عسكرية جاهزة للتنفيذ.

لكن بعض الخبراء والسياسيين الإسرائيليين رأوا أن تصريحات ترمب تحمل رسالة سياسية أكثر من كونها مقترحًا عسكريًا، معتبرين أنها تمثل ضغطًا على حكومة بنيامين نتنياهو لإنهاء الحرب وتجنب الانجرار إلى مواجهة طويلة.

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن واشنطن لا ترغب في استمرار الحروب المفتوحة، وأن إدارة ترمب تسعى إلى وضع نهاية واضحة للعمليات العسكرية.

وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد نقلت أن ترمب يشعر بالإرهاق من تكرار نتنياهو لمواقفه خلال الاتصالات بينهما، وأن الرئيس الأميركي بدأ يعيد تقييم بعض الطروحات الإسرائيلية بدل تبنيها بالكامل.

كما أشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن ترمب بات يطرح تساؤلات حول دقة المعلومات المتعلقة بسير العمليات العسكرية.

وبحسب القراءة الإسرائيلية، ركز ترمب في تصريحاته على نقطتين أساسيتين؛ الأولى انتقاده لفشل إسرائيل في إنهاء الحرب، والثانية الإشارة إلى أن استمرار العمليات يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين ودمار واسع.

وكان ترمب قد تساءل عن أسباب تدمير المباني، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا ممن قتلوا خلال العمليات الإسرائيلية في لبنان لم يكونوا من عناصر «حزب الله».

ويرى المستشرق تسفي برئيل، المتخصص في الشؤون العربية، أن إدخال سوريا في ملف لبنان ليس حلًا واقعيًا، معتبرًا أن الساحة اللبنانية أصبحت جزءًا من تفاوض سياسي أوسع مرتبط بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة.

وأضاف أن لبنان يمثل جزءًا من الضمانات التي تسعى إيران للحفاظ عليها لإثبات قدرتها على تنفيذ التزاماتها، إلى جانب رغبتها في استمرار نفوذ «حزب الله».

وأشار برئيل إلى أن نقل مسؤولية التعامل مع الحزب من إسرائيل إلى سوريا يشبه أفكارًا سابقة لم تستمر، موضحًا أنه رغم وجود خلافات تاريخية بين القيادة السورية الجديدة و«حزب الله»، فإن الرئيس أحمد الشرع أكد أن مرحلة التدخل العسكري السوري في لبنان انتهت.

في المقابل، تنظر إسرائيل بحذر إلى القيادة السورية الجديدة، وترى أنها قريبة من النفوذ التركي، وهو ما تعتبره تل أبيب تحديًا استراتيجيًا.

وقال وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي إن سوريا وتركيا أصبحتا تمثلان مصدر قلق أكبر من إيران بالنسبة لإسرائيل، في تصريحات تعكس وجود تيار داخل الحكومة الإسرائيلية يراقب التحولات في دمشق بقلق.

بيروت ترفض أي تدخل خارجي: ملف «حزب الله» بيد الدولة اللبنانية

في لبنان، قوبلت فكرة منح سوريا دورًا في مواجهة «حزب الله» برفض سياسي ورسمي، مع التأكيد أن ملف السلاح يجب أن يعالج عبر المؤسسات اللبنانية فقط.

وأكدت بيروت أن أي تدخل خارجي، سواء كان سوريًا أو غيره، غير مقبول، وأن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخولة بإدارة هذا الملف.

وكان ترمب قد قال خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا إنه ناقش ملف «حزب الله» مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وعندما سئل عن استعداد سوريا لمواجهة الحزب قال إنه سيتحدث عن الأمر لاحقًا.

واعتبر نائب رئيس مجلس النواب اللبناني السابق إيلي الفرزلي أن تصريحات ترمب لا تمثل رؤية استراتيجية واضحة، بل تأتي ضمن سياق سياسي مرتبط بالتطورات الإقليمية.

وقال إن التعامل معها يجب أن يكون باعتبارها موقفًا تكتيكيًا وليس مشروعًا استراتيجيًا، خصوصًا بعد التطورات المتعلقة بالعلاقة الأميركية الإيرانية.

وأضاف أن أي معالجة لملف «حزب الله» يجب أن تراعي طبيعة النظام اللبناني ودور الجيش والمؤسسات الرسمية.

وأكد أن الجيش اللبناني سيكون طرفًا أساسيًا في أي تطور يمس بنية الدولة اللبنانية واستقرارها.

من جهته، شدد وزير العدل اللبناني عادل نصار على أن نزع سلاح الحزب مسؤولية الدولة اللبنانية وحدها، وليس مسؤولية أي قوة خارجية.

وقال إن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة التي تملك حق إدارة هذا الملف.

كما أكد مسؤول العلاقات الخارجية في حزب «القوات اللبنانية» ريشار قيومجيان أن المعطيات المتوفرة تشير إلى عدم وجود رغبة سورية في العودة إلى التدخل داخل لبنان.

وأوضح أن القيادة السورية الحالية لا تريد تكرار مرحلة التدخل في الشأن اللبناني، وأن العلاقة بين البلدين يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل.

وشدد على أن السيادة اللبنانية خط أحمر، وأن معالجة ملف السلاح يجب أن تتم عبر المؤسسات اللبنانية، مع إمكانية طلب دعم دولي عند الحاجة.

وأكد أن لبنان قادر على التعامل مع هذا الملف عبر مؤسساته إذا توفرت الإرادة السياسية.

وفي السياق نفسه، رفض حزب «الكتائب اللبنانية» أي تدخل سوري مباشر في ملف سلاح «حزب الله»، مؤكدًا أن الحل يكمن في حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.

كما رفض «التيار الوطني الحر» أي دور أمني أو عسكري لأي دولة أجنبية داخل لبنان، مؤكدًا أن أمن لبنان وسيادته مسؤولية الدولة اللبنانية فقط.

ويبقى ملف «حزب الله» نقطة خلاف بين ثلاث رؤى مختلفة: دمشق التي ترفض العودة إلى التدخل العسكري، وبيروت التي تتمسك بالسيادة الوطنية، وتل أبيب التي تراقب التحولات الإقليمية دون اعتبار الطرح الأميركي خطة قابلة للتنفيذ في الوقت الراهن.

اترك تعليقا