ترامب يوبخ حلفاءه في المعسكر الغربي

موازين القوى بين أمريكا وأوروبا يعاد تشكيلها من جديد

أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية الدولية، بعدما هاجم حلفاء بلاده واتهمهم بالتقاعس عن دعم الولايات المتحدة في ملف تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، في الوقت الذي أكد فيه أن واشنطن قادرة على حسم الحرب مع إيران خلال أسبوع واحد فقط.

وجاءت هذه التصريحات في ظل استمرار المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وهي حرب دخلت أسبوعها الثالث وسط تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.

وأكد ترامب أن الولايات المتحدة تنفق مبالغ ضخمة على حماية حلفائها، خصوصاً داخل حلف شمال الأطلسي، لكنه اعتبر أن هذه الدول لم تُظهر مستوى كافياً من التضامن عندما طلب منها إرسال قطع بحرية للمشاركة في تأمين حركة السفن التجارية في الخليج.

انتقادات متجددة للناتو

لم تكن انتقادات ترامب للحلف الأطلسي جديدة، إلا أن حدتها هذه المرة جاءت في سياق حرب مفتوحة في المنطقة. وقال الرئيس الأمريكي إن بلاده أنفقت “تريليونات الدولارات” على الدفاع عن الدول الأعضاء في الحلف، متسائلاً عن جدوى استمرار هذا الالتزام إذا لم تقف تلك الدول إلى جانب واشنطن في أوقات الأزمات.

ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تعكس توتراً متزايداً في العلاقات عبر الأطلسي، خاصة بعد أن أبدت عدة دول أوروبية تحفظها على الانخراط في عمليات عسكرية مرتبطة بالحرب الدائرة مع إيران.

مواقف أوروبية رافضة للتصعيد

وكان الرفض الأكثر وضوحاً من ألمانيا، حيث صرّح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بأن الحرب الجارية ليست حرب بلاده، مؤكداً أن برلين لم تكن طرفاً في اندلاع هذا الصراع.

كما أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاجا كالاس أن الاتحاد لا يخطط لتوسيع عملياته البحرية في المنطقة، رغم المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة والملاحة.

وفي بريطانيا، أكد رئيس الوزراء كير ستارمر أن لندن لا ترغب في الانجرار إلى حرب أوسع في الشرق الأوسط، وهو موقف يعكس الحذر الأوروبي من الانخراط المباشر في المواجهة.

أما اليابان وإيطاليا وأستراليا فقد أعلنت بدورها عدم مشاركتها في أي عمليات بحرية تهدف إلى تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما اعتبره ترامب دليلاً على اعتماد هذه الدول المفرط على القوة العسكرية الأمريكية.

تأجيل زيارة الصين

وفي خطوة لافتة، أعلن ترامب تأجيل زيارته المقررة إلى الصين والتي كان من المقرر أن يلتقي خلالها الرئيس الصيني شي جين بينغ.

وبرر الرئيس الأمريكي القرار بأن بلاده في حالة حرب، وأن بقاءه في واشنطن ضروري لمتابعة التطورات العسكرية والسياسية. وكان ترامب قد لمح في وقت سابق إلى إمكانية إلغاء الزيارة إذا لم تشارك بكين في الجهود الدولية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز.

ويرى محللون أن هذا التأجيل يعكس تعقيد العلاقات الدولية في ظل الحرب، حيث تسعى واشنطن إلى حشد دعم دولي واسع بينما تتردد العديد من القوى الكبرى في الانخراط المباشر.

وعيد بحسم الحرب سريعاً

وفي سياق تصريحاته، أبدى ترامب ثقة كبيرة في قدرة الجيش الأمريكي على إنهاء الحرب بسرعة، مؤكداً أن الولايات المتحدة تستطيع حسم الصراع مع إيران خلال أسبوع واحد إذا قررت ذلك.

وشدد على أن الهدف الرئيسي من العمليات العسكرية هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، معتبراً أن السماح لطهران بتطوير هذا السلاح سيشكل تهديداً خطيراً للاستقرار العالمي.

كما أشار إلى أن الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأسابيع الماضية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، بما في ذلك استهداف قيادات عسكرية ومواقع استراتيجية.

آراء خبراء حول تداعيات التصريحات

يرى عدد من الخبراء أن تصريحات ترامب تعكس محاولة للضغط على الحلفاء من أجل زيادة مشاركتهم في العمليات العسكرية. ويقول الخبير في العلاقات الدولية ريتشارد هاس إن الرئيس الأمريكي يستخدم لغة حادة لإجبار الحلفاء على تحمل نصيب أكبر من المسؤولية في حماية الممرات البحرية الحيوية.

من جانبه، يرى الباحث في شؤون الأمن الدولي مايكل كوغلمن أن الانتقادات العلنية للحلفاء قد تؤدي إلى توترات داخل المعسكر الغربي، خاصة في ظل اختلاف وجهات النظر بشأن كيفية التعامل مع الأزمة الإيرانية.

أما الخبير الاستراتيجي جون ألترمان فيعتقد أن الحديث عن حسم الحرب خلال أسبوع قد يكون جزءاً من الخطاب السياسي أكثر منه تقديراً عسكرياً واقعياً، موضحاً أن الحروب في الشرق الأوسط غالباً ما تكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في التصريحات السياسية.

مخاوف من اتساع رقعة الصراع

تأتي هذه التطورات في وقت دخلت فيه الحرب أسبوعها الثالث، وسط تقارير عن سقوط آلاف الضحايا نتيجة الغارات المتبادلة بين الجانبين. وتشير تقديرات إلى أن أكثر من ألفي شخص قُتلوا منذ اندلاع القتال في أواخر فبراير الماضي.

وردّت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل وأهداف مرتبطة بالمصالح الأمريكية في المنطقة، كما تعرضت منشآت مدنية في بعض

ويرى محللون أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى اتساع رقعة الحرب لتشمل أطرافاً إقليمية ودولية إضافية، خصوصاً إذا استمرت الهجمات على الممرات البحرية والمنشآت الحيوية.

مستقبل المواجهة

في ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل الصراع مفتوحاً على عدة سيناريوهات، تتراوح بين تصعيد عسكري أكبر أو العودة إلى المسار الدبلوماسي. وبينما يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة قادرة على إنهاء الحرب سريعاً،

يرى كثير من الخبراء أن الحل النهائي قد يتطلب مفاوضات سياسية معقدة تشمل قوى إقليمية ودولية متعددة.

ومع استمرار العمليات العسكرية وتبادل التصريحات الحادة، تبدو المنطقة أمام مرحلة حساسة قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.