ترامب يشعل أزمة جديدة مع فنزويلا بحصار بحري على ناقلات النفط

خطوة أميركية تصعيدية تعيد فتح ملف تأميم النفط

أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حصار بحري على ناقلات النفط الفنزويلية، في ديسمبر 2025، فتح ملف الصراع المزمن بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وسط حالة من الجدل الواسع سياسياً واقتصادياً على المستويين الإقليمي والدولي. هذا القرار، الذي اعتبره مراقبون أخطر خطوة تصعيدية تتخذها واشنطن ضد كاراكاس منذ سنوات، أعاد إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من الخلافات المرتبطة بالنفط والسيادة الوطنية والعقوبات الأميركية، إضافة إلى الدور الأميركي في إعادة رسم موازين القوى داخل أميركا اللاتينية.

ترتكز الأزمة الحالية على الأهمية الاستراتيجية التي تتمتع بها فنزويلا في سوق الطاقة العالمي، حيث تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يُقدَّر بنحو 300 مليار برميل، يتركز معظمه في حزام أورينوكو المعروف بالنفط الثقيل. هذا الحزام شكّل منذ تسعينيات القرن الماضي مركز جذب رئيسياً للاستثمارات الأجنبية، خاصة من الشركات الأميركية والأوروبية الكبرى مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس وشيفرون، التي ساهمت بشكل مباشر في بناء البنية التحتية لصناعة النفط الفنزويلية وتطوير تقنيات استخراجه.

شهد قطاع النفط الفنزويلي تحولات جذرية منذ سبعينيات القرن الماضي، حين أقدمت الحكومة في عام 1976 على تأميم القطاع بالكامل، في إطار توجه سيادي ساد المنطقة آنذاك، وأسفر عن إنشاء شركة النفط الوطنية “PDVSA” مع تقديم تعويضات للشركات الأجنبية. غير أن التحول الأكثر إثارة للجدل جاء عام 2007 خلال حكم الرئيس الراحل هوغو تشافيز، الذي أطلق ما عُرف بـ”التأميم الثاني”، حيث فُرض على الشركات الأجنبية التخلي عن حصصها المسيطرة في مشاريع أورينوكو وتحويلها إلى مشاريع مشتركة تملك الدولة فيها حصة لا تقل عن 60%. هذا القرار فجّر نزاعات قانونية دولية واسعة، واعتبرته الولايات المتحدة استيلاءً غير مشروع على أصول تابعة لشركاتها.

لاحقاً، رفعت شركات نفط كبرى دعاوى تحكيم دولية ضد فنزويلا، وأسفرت عن أحكام بتعويضات ضخمة بمليارات الدولارات، من بينها حكم شهير لصالح شركة كونوكو فيليبس بقيمة تقارب 8.7 مليار دولار. هذه الخلفية القانونية والاقتصادية تمثل اليوم الأساس الذي يستند إليه الرئيس ترامب في تبرير حديثه عن “سرقة الأصول الأميركية”، وهو خطاب أعاد توظيفه بقوة في قراره الأخير بفرض الحصار البحري.

منذ عام 2017، شددت الولايات المتحدة عقوباتها على فنزويلا في عهد إدارات متعاقبة، مستهدفة قطاع النفط والنظام المالي، على خلفية اتهامات تتعلق بالفساد، وتزوير الانتخابات، وتهريب المخدرات، وانتهاكات حقوق الإنسان. إلا أن عام 2025 شهد تصعيداً غير مسبوق، تمثل في تعزيز الوجود العسكري الأميركي في منطقة الكاريبي، وتنفيذ عمليات ضد قوارب يُشتبه في تورطها بتهريب المخدرات، وصولاً إلى مصادرة ناقلة نفط فنزويلية في نوفمبر من العام نفسه، وهو ما مهّد الطريق عملياً لإعلان الحصار.

في السادس عشر من ديسمبر 2025، أعلن ترامب عبر منصة “Truth Social” فرض ما وصفه بـ”حصار كامل” على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات الأميركية والمتجهة من أو إلى فنزويلا. وأكد أن بلاده نشرت أكبر أسطول بحري في تاريخ أميركا الجنوبية، مبرراً الخطوة بحماية المصالح الأميركية، ومتهماً حكومة الرئيس نيكولاس مادورو بالإرهاب والاتجار بالمخدرات والبشر، إلى جانب الاستيلاء على الأصول الأميركية. كما أعلن تصنيف نظام مادورو “منظمة إرهابية أجنبية”، مطالباً بإعادة النفط والأراضي والممتلكات التي وصفها بالمسروقة.

ورغم حدة الخطاب، تشير تقارير متخصصة إلى أن الحصار لا يشمل كامل حركة التجارة النفطية الفنزويلية، بل يقتصر على الناقلات المدرجة على قوائم العقوبات الأميركية، والتي يُقدَّر عددها بما بين 30 و50 ناقلة تُعرف بأسطول الظل. وبناءً على ذلك، فإن نحو 300 ألف برميل يومياً فقط من صادرات فنزويلا النفطية تتأثر بشكل مباشر، من أصل صادرات تبلغ قرابة 900 ألف برميل يومياً، في حين تستمر ناقلات غير خاضعة للعقوبات، من بينها تلك العاملة ضمن عقود مع شركة شيفرون الأميركية، في نقل النفط، ما يحد من الأثر الاقتصادي الفوري.

اقتصادياً، انعكس الإعلان على أسواق الطاقة بارتفاع محدود في أسعار النفط، حيث بلغ سعر البرميل نحو 56 دولاراً، دون حدوث قفزات حادة، في ظل إدراك المستثمرين أن الإجراء يستهدف شريحة معينة من الصادرات وليس الإنتاج الفنزويلي بأكمله. في الوقت ذاته، تواصل كاراكاس تصدير كميات كبيرة من نفطها إلى الصين والهند عبر مسارات غير مباشرة، معتمدة على شبكات تجارية بديلة للتحايل على القيود.

على الصعيد العسكري، يُعد الحشد البحري الأميركي، الذي يشمل حاملة طائرات وآلاف الجنود، أخطر مؤشر على احتمالات التصعيد، رغم غياب أي إعلان رسمي عن نية شن غزو بري. ويُلاحظ أن مجلس النواب الأميركي رفض، في 17 ديسمبر، محاولات لفرض قيود على صلاحيات ترامب العسكرية، ما وفر له مساحة سياسية واسعة للمضي في نهجه التصعيدي.

في المقابل، وصف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الحصار بأنه عمل قرصنة دولية وانتهاك صارخ للقانون الدولي، مؤكداً أن بلاده ستواصل تصدير النفط. كما أعلنت البحرية الفنزويلية بدء مرافقة ناقلات النفط، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية ورمزية، رغم الفارق الكبير في القدرات بينها وبين الأسطول الأميركي.

دولياً، قوبل القرار بإدانات قوية من روسيا والصين، اللتين تمتلكان استثمارات استراتيجية في قطاع النفط الفنزويلي، واعتبرتا الحصار انتهاكاً للسيادة والقانون الدولي. كما دعت المكسيك الأمم المتحدة إلى التحرك لمنع تصعيد قد يؤدي إلى إراقة الدماء، فيما وصف عدد من الديمقراطيين الأميركيين الخطوة بأنها عمل حربي غير مصرح به دستورياً.

ويشير محللون إلى أن الدوافع الحقيقية وراء القرار تتجاوز ملف المخدرات، إذ يعكس الخطاب الأميركي تحوّلاً نحو التركيز على “استعادة الأصول الأميركية”، وهو خطاب يجد قبولاً لدى قطاعات من الرأي العام الأميركي المتحفظة على التدخلات العسكرية المباشرة. تصريحات مقربين من ترامب، تحدثوا عن الدور الأميركي التاريخي في بناء صناعة النفط الفنزويلية، تعكس محاولة لإعادة صياغة الأزمة ضمن إطار قومي واقتصادي.

في المقابل، يحذر خبراء من مخاطر قانونية وسياسية كبيرة، إذ قد يُنظر إلى الحصار البحري باعتباره عملاً حربياً وفق القانون الدولي، ما يفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب. كما يرى البعض أن هذا التصعيد قد يعزز موقف مادورو داخلياً عبر توحيد الجبهة الوطنية في مواجهة “العدو الخارجي”، بدلاً من إضعافه.

في المحصلة، يبدو أن الحصار البحري الذي أعلنه ترامب يمثل أداة ضغط قصوى تهدف إلى انتزاع تنازلات سياسية واقتصادية من فنزويلا دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة. غير أن تشابك المصالح الدولية وحساسية الملف النفطي يجعلان المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، حيث قد يتحول أي خطأ في الحسابات إلى شرارة لأزمة إقليمية أوسع في أميركا اللاتينية.