تحول الأمة الإسلامية من الريادة إلى التبعية

د. محمد جلال القصاص يكتب

​بسم الله الرحمن الرحيم

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

ظلّت الأمة الإسلامية في قيادة البشرية طيلة العصر التجاري، وبدأت مقدمات العصر الصناعي في الأمة الإسلامية أيضًا، ثم تأخر المسلمون وتقدم عليهم الأوربيون، وحين تدقق النظر في حال الغرب (أوروبا، ثم الولايات المتحدة ومن وافقهم) تجد أنهم نهضوا بأربعةٍ:

أولها: وجود رؤية خاصة بهم. تأسست على العداء للدين، وهي الوضعية، وتعني رؤية العالم على ما هو عليه.. على وضعه المشاهد دون استحضار أبعاد غيبية (إيمانية). وكأن الكون هو هذا الذي نراه فقط، بمعنى تغييب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وهي الإلحاد الصلب، ثم تطورت بعد ذلك فصارت نسبية بعد أن عجزوا عن إنكار الغيب كليةً، وصاحَبَ هذا دخول القِيَمِية من خلال “المدرسة النقدية” و “المدرسة الإنجليزية” أو ما قيل عنه الجدال الثاني والثالث.

ربما لأنهم واجهوا غزاة (العثمانيين) ولم يواجهوا فاتحين كما حدث في العراق والشام وشمال أفريقيا والأندلس، فأهل هذه البلاد واجهوا الصحابة والتابعين.. بمعنى: واجهوا دعاة إلى الله قبل أن يكونوا مقاتلين، ومن ثم ترك الصحابةُ والتابعون فيهم أثرًا إيمانيًا؛ وربما لفقدانهم الثقة في كتابهم من حيث إثبات النص للمسيح- عليه السلام -، ومن حيث الأخطاء العلمية والتاريخية المدونة بداخله، ومن حيث الجهل بحال وأشخاص من كتبوا الكتاب (متى، لوقا، يوحنا، مرقص، وعدد من أصحاب الأسفار الملحقة)؛ وكذلك الجهل بزمن الكتابة؛ وحدوث تعديلات في الكتاب (تحرير) مرة بعد مرة، فقد جُمع على أزمنة مديدة؛ وربما لوجود اليهود بأوروبا وإفسادهم فيها ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (المائدة: من الآية64)؛ وربما للتحولات المادية التي حدثت بفعل الصناعة وظهور المدنية الحديثة، والتي تمحورت حول عبادة الجسد (الشهوات)، أو ما سماها “ميشيل فوكو” بالجنسانية، فتمكن الشهوات من هؤلاء ابتداءً هو الذي جعلهم ضد القيم الأخلاقية التي أرسل الله بها الرسل.

وثانيها: حصولهم على أسباب مادية من: غزو أمريكا الجنوبية وجلب الذهب والفضة من هذه البلاد؛ وكذلك التجارة مع الهند وغيرها من دول المشرق. وهو ما عرف بالعصر التجاري (الميركانتي mercantile). ثم احتلال العالم الإسلامي والسيطرة على موارده وأسواقه. وإن المال من أهم أدوات الفعل، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء:5)، فقد منع السفيه من التصرف في ماله، وجعل التصرف في المال للرشيد؛ وذكر أن بالمال القوامة أو القيام على شئون الحياة، يقال “فلان قوام أهل بيته” و”قيام أهل بيته”()، ومثله- في المعنى- قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء:34). فقد جعل الإنفاق من أسباب القوامة.

وفي بعض محاضراته المنتشرة على الشبكة ذكر الدكتور عبد الوهاب المسيري أن الغرب تقدم بهذه (أي بما نهب من خيرات العالم الإسلامي وغيره من دول الجنوب)، ويقول حتى ننهض لابد أن تتوفر لنا وفرة من الموارد والأسواق كما توفرت لهم من الدول التي احتلوها!!

والحقيقة أنها أحد أسباب صعودهم وليست السبب الوحيد؛ ولا تصلح لتقدمنا فنحن أمة رحمة، نقدم للناس توحيدًا وما يترتب على التوحيد من أخلاقٍ وتشريعات؛ فالقتال عندنا لإزالة النخبة المستعبِدة للناس، ولا يصحبه نهب للثروات وإرسالها للمركز أو تمكين المقاتلين منها، بل تُنزع الحقوق من المستبدين وتوزع على أهل الأرض.. يُمكَّن الإنسان مما قَدَّره الله في الأرض من بركات دون نظر للونه أو جنسه، ويطلق له العنان يتحرك حيث يشاء ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:15). بمعنى أن النموذج الإسلامي يعمل بطريقة مختلفة عن التي تعمل بها الوضعية الغربية.

وهنا لابد من إلقاء الضوء على هذا التسلسل التاريخي للحضارة الغربية.. لابد من ملاحظة أن الوضعية خرجت للناس تنهب خيراتهم لا أنها تحمل رسالة قِيَميّة تدعو الناس إليها. وصاحب نهب الخيرات (العصر الميركانتي) تحول مجتمعاتهم هم من الفضيلة إلى الرذيلة (الجنسانية كما يسميها فوكو)، أو التحول إلى المدنية الحديثة؛ وبعد نهب الخيرات، وبعد التخلي عن الفضيلة بدأ الحديث عن الثقافة وبلورة منظومة أفكار تتماشى مع واقعهم الجديد، فكانت الحداثة، ثم ما بعد الحداثة، أو الجدالات المتعاقبة. فالثقافة تابع.. مبرر للواقع المفروض، وليست منظومة قيم ثابتة تضبط الفرد والمجتمع والسلطة.

وثالثها: تخريب التتار لحواضر المسلمين، أو قل: تخريب للقدرات الكامنة والفاعلة عند المسلمين.

وهذه التي أشار إليها “برنارد لويس” في كتابه “ما الخطأ؟”؛ حيث طرح هذا السؤال (ما الخطأ؟ يقصد خطأهم هم) ثم أجاب عليه بأن عليهم (الغرب) أن يكونوا قساةً بالقدر الكافي.. أن يخربوا عمران المسلمين حتى لا ينهضوا ويزيحوا الحضارة الغربية ويستعيدوا حضارتهم. وهم (الغرب) يمتثلون لهذه الوصية الآن. وقد وعظهم بشيء فعلوه- من قبل- في كل حروبهم، فالسمة الرئيسية لحروب العلمانية هي تخريب العمران. بل إن السمة الأساسية للعلمانية هي تخريب العمران سواء بأدوات الحرب أم بالأدوات المدنية، وقد جعل الله الكافر مفسدًا. بل المفسد بأل التعريفية، وكأنه لا مفسد غيره. يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: 40).

ومما يستأنس به هنا ما يطلق عليه “الجيل الخامس من الحروب”، وهي حرب بكل شيء ضد كل شيء. بمعنى أصبح الحياة المدنية- بعد أن سيطر عليها العلمانيون- ساحة حرب قد يقتل فيها الإنسان بالدواء والماء وكل شيء.. مفسدون كما وصفهم خالقهم. سبحانه.

ورابعها: القتال الداخلي بين المسلمين، حيث انشغلت القوى الرئيسية في العالم الإسلامي (الدولة العثمانية، والدولة الصفوية، ودولة المماليك)، ببعضها، وضاع جهد كبير في القتال الداخلي بينهم بحثًا عن النفوذ. وأهم ما ينبغي أن نلاحظه هنا هو: حالة التحول من الفتوحات إلى التمدد الداخلي باستثناء الدولة العثمانية فقد كان بعض جهدها في غزو أوروبا. وكذلك الاستعانة بالكافرين على المؤمنين، في وقت كانت أوروبا تهاجم أطراف العالم الإسلامي وطردت المسلمين بالفعل من بعض أجزائه (الأندلس)، فلم يعد إيمان في مواجهة كفر، بل ظهرت المواجهة الداخلية، بل والاستعانة بالكافر على المسلم.

وخامسها: انهيار منظومة القيم الإسلامية، ثم تبدلها. وهذا من أهم العوامل في تخلفنا، واستمرار تفوقهم، والدخول في التبعية لهم. وقد كان بدء الانحدار في منظومة القيم من فقدان الإنفاق على العلم وأهله بعد تحول طريق التجارة، وبعد تحويل كثير من موارد الأوقاف، بل الممتلكات الخاصة للإنفاق على بذخ السلطة، وعلى الجيوش التي أنهكت بفعل القتال الداخلي وبفعل الصحوة الأوروبية في وجه الدولة العثمانية.

جاءوا إلينا ونحن معدومين ماديًا وفكريًا، ثم عمدوا إلى إحداث تحولات جذرية في منظومتنا الفكرية حتى صارت تبعًا لهم، ولذا تجد بين المنتسبين للفكر الإسلامي من يطالب بنهوض كنهوض الغرب، بل تجد من المنتسبين للصحوة الإسلامية من ينتصر للمناهج الغربية، بل يتبناها!!

وكأن الله لم يقم السماوات والأرض على الإيمان والكفر!! وكأن الله لم يُهلك الكافرين من السابقين بكفرهم بالله، وهذا مضطرد في كتاب الله.. أن هلاك الأمم بتكذيبهم الرسل.. بكفرهم بالله، وهذا صريح محكم في آي الذكر الحكيم، وتدبر: يقول الله تعالى في قوم نوح: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ (الأعراف: 64)، و يقول الله تعالى في عاد قوم هود: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء:139)، ويقول الله تعالى في ثمود قوم صالح: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (العنكبوت: 39)، ويقول الله تعالى في فرعون وجنده ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 136)، غرق فرعون وهو في عنفوانه.. انتهى تمامًا وهو في أوج قوته.. وهو بين جنده يرغي ويزبد ويهدد ويتوعد. وتدبر هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ. ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأعراف: 94-95).

والمقصود أن الكفر سبب مباشر للهلاك، ولذا يفسر الظلم الوارد في سبب الهلاك على أنه الشرك، مثل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ (هود: من الآية59)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يونس:13).

وتفسير الظلم بالشرك صريح في كتاب الله، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ‌إِنَّ ‌الشِّرْكَ ‌لَظُلْمٌ ‌عَظِيمٌ﴾ (لقمان: 13)، ويؤكده الآيات التي بدأت بها هذه الفقرة، وفيها أن سبب الهلاك هو تكذيب الرسل.. رفض الإيمان. ولذا فإن من فسّر الظلم ببعض مفرداته (العدالة الاجتماعية) كابن خلدون وأن هذا سبب الخراب مخطئ. سبب الخراب هو الكفر. وذلك أن الكفر فساد كله بالحال والمآل، يقول العليم الخبير، سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ ‌وَرَبُّكَ ‌أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس:40)، فانظر كيف جعل الكافر مفسدًا. بل المفسد بأل التي تفيد الاستغراق، وكأنه لا مفسد غيره.