تحذيرات حقوقية من مجاعة بغزة وتصعيد إسرائيلي محتمل

الرهائن بين السياسة والتصعيد

في خضم الحرب المستمرة في قطاع غزة منذ قرابة اثنين وعشرين شهراً، أطلق رئيس أركان الجيش الصهيوني، الفريق أول إيال زامير، تحذيرًا شديد اللهجة، أكد فيه أن العمليات العسكرية لن تتوقف ما لم تفضِ المفاوضات الجارية إلى إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في القطاع.

وأوضح زامير، في تصريحات أدلى بها خلال زيارة ميدانية لمركز قيادة القوات الإسرائيلية داخل غزة، أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير المفاوضات، مضيفًا: “إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فإن القتال سيستمر بلا هوادة”.

وقد بثّ الجيش الإسرائيلي مشاهد تُظهر زامير وهو يخاطب الضباط والجنود على الجبهة، بينما يتصاعد الضغط على الحكومة الإسرائيلية داخليًا وخارجيًا، خصوصًا من عائلات الرهائن، لإيجاد حل عاجل يُنهي معاناتهم.

ويُذكر أن عدد الرهائن الذين ما زالوا محتجزين في غزة يبلغ 49 شخصًا، بحسب بيانات الجيش الإسرائيلي، من أصل 251 اختطفوا خلال هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، ويُعتقد أن 27 من هؤلاء الرهائن قد قُتلوا.

وفي الأيام الأخيرة، بثّت جماعات فلسطينية مسلحة مقاطع فيديو لرهائن يُظهرون علامات واضحة على الإعياء والجوع، ما أثار موجة من القلق والغضب في إسرائيل، ودفع كثيرين إلى المطالبة باتباع أسلوب عسكري أكثر حدة.

ومع انهيار المفاوضات التي كانت تُجرى بوساطة أمريكية ومصرية وقطرية الشهر الماضي، باتت احتمالات التوصل إلى تسوية سلمية في الوقت القريب موضع شك.

في المقابل، تتزايد التحذيرات الإنسانية من منظمات الإغاثة الدولية بشأن الوضع المتدهور في غزة، حيث يواجه السكان، وفق تلك الجهات، خطر المجاعة جراء القيود الإسرائيلية المشددة على دخول المساعدات. لكن زامير نفى بشدة هذه الادعاءات،

واعتبرها “حملة كاذبة ومضللة” تهدف إلى الإساءة إلى صورة الجيش الإسرائيلي، قائلاً إن الجيش “يعمل وفق أعلى المعايير الأخلاقية”، وإن المسؤول عن المعاناة الإنسانية في غزة هو “حركة حماس”.

أما من حيث الخسائر البشرية، فقد أسفر هجوم حماس عام 2023 عن مقتل 1219 شخصًا في إسرائيل، معظمهم من المدنيين، بحسب الإحصاءات الرسمية. ومنذ بدء الحملة البرية، قُتل 898 جنديًا إسرائيليًا، وفق بيانات الجيش.

وعلى الجانب الآخر، تفيد وزارة الصحة في غزة، التي تديرها حماس، بأن عدد القتلى في القطاع تجاوز 60,332 شخصًا، معظمهم من المدنيين، وهي أرقام تعتبرها الأمم المتحدة موثوقة رغم الجدل الدائر حول مصدرها.

وهكذا، تستمر دوامة الدم والدمار، بينما يقف مصير الرهائن والوضع الإنساني في قلب معادلة معقدة تتشابك فيها الحسابات العسكرية والسياسية والضغوط الدولية، في وقت تتضاءل فيه الآمال بوقف وشيك لهذا النزاع الدامي.

يرى الخبير العسكري الإسرائيلي ألون بن ديفيد أن تهديد رئيس الأركان باستمرار القتال يعكس نفاد صبر المؤسسة العسكرية تجاه المسار السياسي المتعثر.

ويقول: “الجيش الإسرائيلي بات يرى أن كلفة الانتظار أعلى من كلفة التصعيد. لكن هذه المقاربة تحمل مخاطر كبرى على حياة الرهائن أنفسهم”، في إشارة إلى أن الضغط العسكري قد يعرض المحتجزين للخطر بدلًا من تحريرهم.

من جانبها، تقول الحقوقية الإسرائيلية البارزة جيسيكا مونتال، الناشطة في منظمة “السلام الآن”، إن استمرار القتال دون وجود أفق سياسي واضح “لا يشكل فقط تهديدًا أخلاقيًا، بل يعرّض إسرائيل لمزيد من الانتقادات الدولية ويعمّق عزلة تل أبيب في المحافل الحقوقية”. وتضيف: “الجيش لا يمكنه أن يفرض حلاً عسكريًا لمسألة إنسانية معقّدة تتطلب حوارًا وتنازلات مؤلمة”.

وفي السياق ذاته، يحذر المفوض السابق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زيد رعد الحسين، من أن نفي إسرائيل للاتهامات المتعلقة باستخدام التجويع كسلاح “لا يعفيها من مسؤوليتها القانونية”.

ويقول: “سواء كان التجويع متعمداً أم ناتجاً عن الإهمال، فإن القانون الدولي ينص على حماية المدنيين وضمان وصول الإمدادات الإنسانية. والظروف في غزة بحسب تقارير الأمم المتحدة ترقى إلى كارثة إنسانية مكتملة الأركان”.

أما المحلل الفلسطيني المقيم في رام الله، الدكتور عارف جاد الله، فيربط تصعيد الجيش الإسرائيلي بمحاولة الضغط على حماس في المفاوضات، لكنه يرى أن ذلك “لن يؤتي ثماره لأن الجماعة أثبتت قدرتها على الصمود السياسي رغم الخسائر البشرية الفادحة”.

ويضيف: “كلما طالت الحرب، ازدادت المعاناة، لا سيما للرهائن والمدنيين، لكن حماس تستثمر في الزمن وتلعب على الانهيار الدولي المتدرج في صورة إسرائيل”.

وتبدي منظمة هيومن رايتس ووتش قلقاً بالغاً بشأن تعثّر إدخال المساعدات وارتفاع أعداد القتلى في صفوف المدنيين، وتطالب بفتح ممرات إنسانية دون قيد أو شرط، مؤكدة أن “الحق في الغذاء والدواء لا يرتبط بسير المعارك، بل هو التزام قانوني دولي في أوقات الحرب”.