تحالف مكة بين ضرورات الأمن الإقليمي وحدود الممكن

حين تتعارض المصالح وتأتي أوامر أمريكا

الرائد// يطرح الاتفاق الدفاعي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة تساؤلًا يتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي بين ثلاث دول: هل نشهد بداية تشكّل منظومة أمن إقليمية جديدة، أم أننا أمام استجابة ظرفية لمرحلة شديدة الاضطراب فرضتها المواجهة المفتوحة مع إيران والاهتزاز الذي أصاب ترتيبات الأمن التقليدية في الخليج؟

الواقع أن هذا الاتفاق، رغم ثقله السياسي والعسكري، لا يزال في طور التكوين. فالقوة الحقيقية لأي تحالف دفاعي لا تُقاس لحظة توقيعه، بل بما يُنتجه من مؤسسات، وآليات قيادة مشتركة، وتنسيق استخباري، وتكامل في الدفاع الجوي، وقدرة فعلية على اتخاذ قرار جماعي عند وقوع أزمة.

التوقيت والبيئة الإقليمية

تتضاعف أهمية الاتفاق بسبب توقيته. فقد وُلد في بيئة إقليمية تشهد مواجهة مفتوحة واضطرابًا عميقًا في حسابات الأمن الخليجي، ما يجعل من الصعب فصل هذا الترتيب عن التحولات التي فرضتها الحرب مع إيران. غير أن ربط الاتفاق بالحرب وحدها يُعدّ تبسيطًا مفرطًا؛ فالتعاون الدفاعي السعودي الباكستاني يمتد لعقود، والعلاقات العسكرية التركية السعودية شهدت تطورًا ملموسًا في السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، يرى محللون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بواشنطن أن الاتفاق يمثل “محاولة لملء جزء من الفراغ الأمني الذي ظهر عندما تعرّضت الترتيبات القائمة لاختبارات صعبة”، مشيرين إلى أن التطورات الأخيرة عززت لدى دول المنطقة قناعة متزايدة بأن الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية يحمل مخاطر هيكلية، حتى عندما تبقى العلاقات مع واشنطن وثيقة.

ومن أنقرة، علّق باحثون في مؤسسة الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (SETA) بأن تركيا تنظر إلى هذا الترتيب بوصفه “امتدادًا طبيعيًا لسياسة تنويع الشراكات الأمنية التي تنتهجها أنقرة منذ سنوات”، مؤكدين أن الاتفاق لا يتناقض مع عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، لكنه يعكس رغبة في بناء طبقات أمنية إضافية.

البعد الأمريكي: حضور لا يمكن تجاوزه

تظهر هنا إحدى أهم نقاط التعقيد في المشروع: الدول الثلاث ليست خارج المنظومة الأمريكية. فالسعودية ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية عميقة مع واشنطن، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان تمتلك تاريخًا طويلًا من العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وإن شهدت تقلبات.

وفي قراءة نشرها معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute) في واشنطن، أشار باحثون إلى أن “تصوير اتفاق مكة باعتباره خروجًا كاملًا من المظلة الأمريكية غير دقيق”، وأن الأرجح أن واشنطن لا تنظر بالضرورة إلى الاتفاق باعتباره تحديًا مباشرًا، طالما أنه لا يتحول إلى منظومة مستقلة تنافس النفوذ الأمريكي أو تفرض على أطرافه قرارات تتعارض مع المصالح الأمريكية.

غير أن باحثين في معهد الدراسات الاستراتيجية (IISS) بلندن لفتوا إلى أن “قدرة الدول الثلاث على بناء تحالف أمني كبير ومستقل ستظل مرتبطة بدرجة كبيرة بموقف الولايات المتحدة وحدود قبولها بإعادة توزيع الأدوار الأمنية في المنطقة”، مضيفين أن القول إن الاتفاق تم بعلم أمريكي مباشر ورضاها يحتاج إلى دليل موثق، لكن هامش الحركة يظل محكومًا بالمعادلة الأمريكية.

ومن إسلام آباد، أشار محللون في معهد الدراسات الاستراتيجية (ISSI) إلى أن باكستان “تتحرك في مساحة دقيقة بين شراكتها التاريخية مع السعودية وعلاقاتها المعقدة مع واشنطن”، وأن أي التزام دفاعي جماعي سيُقرأ في العاصمة الأمريكية بوصفه مؤشرًا على اتجاهات السياسة الباكستانية.

اختلاف المصالح: التحدي البنيوي

تذهب القراءة الأكثر واقعية إلى أن اختلاف مصالح الدول الثلاث قد يكون أكبر من نقاط التوافق بينها. فالسعودية تنظر أساسًا إلى أمن الخليج والمنشآت الحيوية وممرات الطاقة والتهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة. وتركيا تتحرك وفق حسابات أوسع تشمل أمنها القومي، وعلاقاتها مع روسيا والولايات المتحدة وأوروبا، ومستقبل سوريا والعراق وإيران، إضافة إلى مصالحها في شرق المتوسط. أما باكستان فتبقى مرتبطة بأمن جنوب آسيا وعلاقاتها مع الهند والصين وأفغانستان.

وفي تعليق نُشر في صحيفة “ذي هندو” الهندية، رأى محللون في نيودلهي أن “دخول باكستان في ترتيب دفاعي مع السعودية وتركيا يضيف بعدًا جديدًا إلى التوازنات الآسيوية والخليجية”، مشيرين إلى أن الهند تراقب هذا التطور من زاوية تأثيره على التوازن الاستراتيجي في جنوب آسيا وعلاقاتها المتنامية مع الرياض وأبوظبي.

أما في تل أبيب، فقد أشار معلقون في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) إلى أن اجتماع القدرات العسكرية السعودية والتركية والباكستانية في إطار أمني واحد “يخلق معادلة جديدة تستوجب المتابعة”، خصوصًا إذا تطورت إلى تعاون في الدفاع الجوي والطائرات المسيرة والصناعات العسكرية والاستخبارات. غير أنهم أضافوا أن تأثير الاتفاق على إسرائيل سيبقى محدودًا ما لم يتحول إلى منظومة عسكرية مستقلة ذات قدرة عملياتية حقيقية.

وتظهر الحرب مع إيران هذه المعضلة بوضوح. فباكستان تتحرك في مساحات دبلوماسية ووساطية مرتبطة بالأزمة، بينما لا تبدو تركيا راغبة في انهيار الدولة الإيرانية أو تقسيمها بالنظر إلى التداعيات الأمنية والجيوسياسية المحتملة. وفي المقابل، تملك السعودية حساباتها الخاصة المتعلقة بالتهديدات المباشرة لأمن الخليج. وهذا الاختلاف قد يكون سببًا في أن يبقى الاتفاق دفاعيًا أكثر منه تحالفًا هجوميًا.

مواقف إقليمية: بين الترقب والحذر

من القاهرة، يرى دبلوماسيون سابقون ومحللون في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن مصر “قد تفضل في المرحلة الحالية الحفاظ على سياسة أكثر مرونة، بحيث تُبقي علاقاتها الدفاعية والسياسية مع كل طرف بصورة مستقلة”، مشيرين إلى أن القاهرة تدرك ثقلها العسكري والجغرافي وموقعها على قناة السويس والبحر الأحمر، لكنها لا ترغب في دخول التزامات جماعية قد تحدّ من هامش حركتها أو تضعها تلقائيًا في مواجهة طرف إقليمي.

أما في أبوظبي، فيراقب صانعو القرار ما إذا كان التحالف الجديد سيتحول إلى مركز قوة إقليمي يؤثر في موقع الإمارات داخل ترتيبات الأمن الخليجي. وقد أشار باحثون في مركز الإمارات للسياسات إلى أن الإمارات “بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من العلاقات الأمنية والسياسية، وأي ترتيب جماعي جديد سيُدرس من زاوية تأثيره على هذه الشبكة لا من زاوية المواجهة معه”.

ومن موسكو، علّق محللون في مجلس الشؤون الدولية الروسي (RIAC) بأن “أي إعادة ترتيب أمني في الخليج تُراقب من زاوية تأثيرها على التوازنات مع الغرب”، مؤكدين أن روسيا لا تعارض بالضرورة تعدد الترتيبات الأمنية في المنطقة طالما لا تتحول إلى أداة ضغط ضدها.

رمزية المكان ودلالاته

يكتسب اختيار مكة مكانًا لتوقيع الاتفاق رمزية خاصة؛ فهي ليست مجرد موقع جغرافي، بل مركز ديني وسياسي بالغ الدلالة في العالم الإسلامي. وقد تمنح هذه الرمزية الاتفاق بعدًا يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، وتفتح المجال أمام تصور أوسع للتعاون بين الدول الإسلامية، إذا جرى التعامل معها بوصفها نقطة بداية للتعاون المؤسسي لا شعارًا سياسيًا عابرًا.

وفي هذا السياق، أشار باحثون في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض إلى أن “الرمزية الدينية لمكة تمنح الاتفاق شرعية معنوية تتجاوز البعد العسكري، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن البناء المؤسسي الصارم الذي تحتاجه أي منظومة دفاعية”.

الخلاصة: فرصة لا تحالف مكتمل

في النهاية، يمثل اتفاق مكة فرصة أكثر منه تحالفًا مكتمل الأركان. قوته المحتملة كبيرة لأن أطرافه الثلاثة يمتلكون عناصر متكاملة من القوة الاقتصادية والعسكرية والصناعية والجغرافية، لكن هشاشته واضحة أيضًا بسبب اختلاف المصالح، وتباين الأولويات، وتشابك العلاقات مع الولايات المتحدة، وتعدد الملفات التي يمكن أن تضع الدول الثلاث أمام مواقف متباينة.

الحديث عن ولادة “ناتو إسلامي” أو منظومة دفاع مستقلة تمامًا عن واشنطن يبدو في الوقت الراهن أقرب إلى التمني منه إلى الواقع. أما القراءة الأكثر اتزانًا فتقول إن اتفاق مكة قد يكون بداية مهمة لإعادة توزيع المسؤولية الأمنية في المنطقة، وقد يفتح الباب أمام انضمام دول أخرى، لكن نجاحه سيُحسم في السنوات المقبلة، عندما ينتقل من الرمزية إلى القدرة، ومن الإعلان إلى المؤسسة، ومن الرغبة السياسية إلى التزام فعلي عند أول اختبار أمني كبير.

وكما لخّص باحث في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) بلندن: “التحالفات لا تصبح قوية بمجرد توقيعها، بل عندما تتوافر لها عقيدة مشتركة، وهيكل قيادة، وتمويل مستدام، وقواعد واضحة للتدخل، وإرادة سياسية للوفاء بالالتزامات عند اللحظة الحرجة”.

المصادر

1. مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، واشنطن – تحليلات حول ترتيبات الأمن في الخليج والتحولات الإقليمية، csis.org

2. معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute)، واشنطن – أوراق بحثية حول السياسة الأمريكية في الخليج والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين، mei.edu

3. المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، لندن – تقارير التوازن العسكري والتحالفات الإقليمية، iiss.org

4. مؤسسة الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (SETA)، أنقرة – أبحاث حول السياسة الخارجية التركية وتنويع الشراكات الأمنية، setav.org

5. معهد الدراسات الاستراتيجية (ISSI)، إسلام آباد – دراسات حول العلاقات الباكستانية السعودية والسياسة الأمنية لجنوب آسيا,issi.com.pk

6. معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، تل أبيب – تقديرات استراتيجية حول التوازنات العسكرية في الشرق الأوسط، inss.org.il

7. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة – تحليلات حول السياسة الخارجية المصرية والأمن الإقليمي، ahram.org.eg

8. مركز الإمارات للسياسات، أبوظبي – دراسات حول الأمن الخليجي والترتيبات الإقليمية، epc.ae

9. مجلس الشؤون الدولية الروسي (RIAC)، موسكو – تحليلات حول التوازنات الدولية والأمن الإقليمي، russiancouncil.ru

10. المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، لندن – أبحاث حول التحالفات الدفاعية والأمن الجماعي، chathamhouse.org

11. مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض – دراسات حول التعاون الإسلامي والأمن الإقليمي,kfcris.com

12. صحيفة “ذي هندو” (The Hindu)، نيودلهي – تغطيات وتحليلات حول التوازنات الاستراتيجية في جنوب آسيا والخليج، thehindu.com

اترك تعليقا