تجريف التاريخ بين سرقة الوعي وغياب الحقيقة
د. علاء فتحي يكتب
- dr-naga
- 19 يناير، 2026
- رأي وتحليلات
- التاريخ, الوعي, جريدة الأمة الإليكترونية, د. علاء فتحي, صياغة الوعي, مصر
التاريخ الصادق، والوعي الراشد، والقيم الراسخة، أسس عظيمة تنبني بها المجتمعات، وتحفظ وجودها، فإذا امتدت لهذه الأسس يد المزيفين، تخلخل البناء، واهتز التكوين، وضاعت الملامح التي يستدل الناس بها على الصواب.
إن الذين يزيفون التاريخ؛ لا يغيبون الحقائق فحسب؛ بل يغيبون ذاكرة الأمة، ويزيفون ماضيها ووعيها، بهدف صياغة جيل مقطوعة جذوره، ألا ساء ما يفعلون.
والتاريخ حين يجرف، لا تمحى الوقائع فحسب، بل يعاد تشكيل الإنسان وعي بلا جذور، وأخلاق بلا مرجعية، وانتماء بلا معنى، والأمة التي يجرف وعيها تفقد بصيرتها؛ فلا تميز بين المصلح والمفسد، ولا بين البناء والهدم، وتتساوى ساعتئذ الأصوات، ويعلو الضجيج، ويقصى العقل، ويصبح الإنسان سهل الانقياد لكل خطابٍ مظلم، ولكل دعاية انتهازية مزيفة.
ستبقى مصر بتاريخها العريق نموذجا في الوقار، ومثالا في حفظ الحقوق، واحترام الآخرين، وإجلال الناس بعضهم بعضا، مهما حاولت موجات التجريف المتعاقبة أن تسلخها من أصل تكوينها، وأن تقدمها للأجيال بغير حقيقتها.
إن الوعي الراشد ليس شعارا، بل هو حراسة على أبواب الذاكرة، وصوت هادئ راسخ يفرق بين الحقيقة والوهم، ليعاد للتاريخ النظيف اعتباره.
فالتاريخ هوية، ومن يفرط في تاريخه يفرط في هويته، ومن يستهن بهويته يسلم مفاتيح مجتمعه للعبث.
مصر الحبيبة الّتي أنجبت أحمد زويل ومجدي يعقوب وفاروق الباز ونجيب محفوظ وعباس العقاد والشيخ الشعراوي وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم وغيرهم، لا تستحق أن تبتلع في ضجيج المزيفين، ولا يليق بأبنائها أن يعاد تشكيل وعيهم على يد أصوات لا تعرف من السمو الإنساني شيئا.
إن صيانة الوعي اليوم ليست رفاهية بل فريضة، وحماية الحقيقة ليست ترفا بل مسؤولية، وفاء للحق وصونا للتاريخ، وحفظا لإنسان هذا البلد العظيم، ومتى عاد الناس إلى تاريخهم الصحيح، وقيمهم الأصيلة النبيلة، عاد المجتمع مستنيرا ببصيرة لا يمكن شرائها، وثابتا على جذور لا يمكن اقتلاعها.
التاريخ مسؤولية والوطن أمانة، حفظ الله مصر الحبيبة؛ عمود الأمة، ملاذها الأول، وحصنها الأَخير.
المصدر: جريدة الأمة الإليكترونية