بين الطموح والهيمنة: مجلس السلام وأبعاد النفوذ الدولي
معارضون: مجلس على مقاس ترامب
- السيد التيجاني
- 20 يناير، 2026
- تقارير
- ترامب, غزة, مجلس السلام, وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو
أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إنشاء ما يُعرف بـ«مجلس السلام» موجة واسعة من الجدل الدولي، لا سيما بعد تسريب ميثاقه التأسيسي الذي اطّلعت عليه وكالة فرانس برس. فبينما يقدَّم المجلس على أنه منصة دولية لحل النزاعات وتعزيز الاستقرار، يرى منتقدون أنه أداة سياسية تعكس رؤية ترامب الأحادية لإدارة الأزمات العالمية.
مجلس نشأ من غزة… واتسع إلى العالم
أُنشئ مجلس السلام في الأصل للإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة بعد الحرب، إلا أن ميثاقه لا يحصر مهامه في الأراضي الفلسطينية المحتلة. إذ ينص على أن المجلس منظمة دولية تهدف إلى «تعزيز الاستقرار، وإعادة الحكم الرشيد، وضمان سلام دائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات»، مع التأكيد على العمل «وفقًا للقانون الدولي».
غير أن اتساع نطاق الصلاحيات، وغياب مرجعية أممية واضحة، دفع كثيرين للتساؤل عمّا إذا كان المجلس بديلاً غير معلن عن أطر دولية قائمة مثل الأمم المتحدة.
ترامب رئيسًا بصلاحيات شبه مطلقة
بحسب الميثاق، يترأس دونالد ترامب مجلس السلام، ويشغل في الوقت ذاته منصب «الممثل الافتتاحي للولايات المتحدة». ويمنحه الميثاق صلاحيات واسعة، تشمل إنشاء أو تعديل أو حل الكيانات التابعة للمجلس، واعتماد القرارات، وكسر التعادل في التصويت.
ويرى مؤيدو ترامب أن هذه الصلاحيات تعكس «قيادة حاسمة» قادرة على تجاوز البيروقراطية الدولية. ويقول ستيف ويتكوف، المفاوض الخاص لترامب، إن «السلام لا يتحقق عبر الهياكل الثقيلة، بل عبر قرارات سريعة يقودها زعماء أقوياء».
عضوية مدفوعة وتكريس للنفوذ
من أكثر بنود الميثاق إثارة للجدل اشتراط مساهمة مالية تصل إلى مليار دولار للحصول على عضوية دائمة تتجاوز ثلاث سنوات. ويُنظر إلى هذا البند على أنه تحويل السلام إلى «نظام اشتراك مالي».
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو دافع عن هذا التوجه، معتبرًا أن «من يطالب بدور دائم في صنع السلام يجب أن يثبت التزامه المالي والسياسي». في المقابل، وصفت الدبلوماسية الفرنسية السابقة ناتالي لوازو هذا الشرط بأنه «خصخصة للسلام الدولي وإقصاء للدول الفقيرة».
مؤيدون: منصة عملية لكسر الجمود
يرى مؤيدو المجلس أنه محاولة واقعية لكسر الجمود الذي تعانيه المؤسسات الدولية. رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، أحد المشاركين في المجلس، قال إن «العالم بحاجة إلى آليات جديدة لحل النزاعات بعيدًا عن الشلل الذي أصاب مجلس الأمن».
كما اعتبر الملياردير أجاي بانغا، رئيس البنك الدولي، أن المجلس قد يشكل «جسرًا بين التمويل والتنمية والسلام»، خاصة في مناطق ما بعد النزاعات.
معارضون: مجلس على مقاس ترامب
في المقابل، عبّر معارضون عن مخاوفهم من أن المجلس يعكس رؤية ترامب الشخصية أكثر مما يعكس إجماعًا دوليًا. ويرى الخبير الألماني في القانون الدولي فولفغانغ إيشينغر أن «رئاسة ترامب للمجلس مع امتلاكه حق النقض العملي تقوّض مبدأ التعددية».
كما حذرت منظمات حقوقية من أن غياب آليات محاسبة مستقلة قد يجعل المجلس أداة لتكريس نفوذ سياسي بدلاً من تحقيق سلام عادل، خصوصًا في قضايا حساسة مثل فلسطين.
قائمة مدعوين تعكس توازنات سياسية
تضم قائمة المدعوين قادة من اتجاهات متباينة، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، إلى جانب دول أوروبية وآسيوية. ويرى مراقبون أن هذا التنوع يعكس محاولة ترامب بناء منصة موازية للنظام الدولي التقليدي، تقوم على المصالح أكثر من القيم المشتركة.
ما البدائل المطروحة؟
يرى خبراء أن هناك حلولًا أخرى بخلاف «مجلس السلام» المقترح. من بينها إصلاح مجلس الأمن الدولي، وتعزيز دور الأمم المتحدة في إعادة الإعمار، أو إنشاء صناديق دولية مستقلة لإدارة مرحلة ما بعد النزاعات بإشراف أممي.
كما يقترح آخرون تشكيل أطر إقليمية للسلام، خاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا، تكون أكثر دراية بالسياقات المحلية وأقل خضوعًا لتوازنات القوى الكبرى.
بين الطموح والهيمنة
في المحصلة، يعكس «مجلس السلام» التابع لترامب طموحًا لإعادة صياغة النظام الدولي من منظور أمريكي أكثر مباشرة. وبينما يرى فيه مؤيدوه أداة عملية لصنع السلام، يخشى معارضوه أن يتحول إلى منصة نفوذ سياسي مقنّع.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يكون المجلس خطوة جديدة نحو حلول واقعية للنزاعات، أم مجرد تجربة أخرى تعمّق الانقسام في عالم يعاني أصلًا من هشاشة النظام الدولي؟