ماذا تعني زيارة وفد مجلس الأمن لسوريا ؟
بعد الإطاحة ببشار الأسد وخلال مرحلة انتقالية حساسة
- السيد التيجاني
- 4 ديسمبر، 2025
- اخبار عربية, تقارير
- الولايات المتحدة, دمشق, سوريا, مجلس الأمن الدولي
تُمثّل الزيارة الأولى لوفد من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى سوريا محطة غير مسبوقة في تاريخ العلاقة بين الطرفين، إذ تأتي بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية.
وفي ظل مرحلة انتقالية حساسة أعقبت الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد. وبينما تؤكد الأمم المتحدة استعدادها لدعم سوريا “مهما كان ما تعتبره مفيدًا”،
تختلف القراءات السياسية والاستراتيجية لهذه الخطوة، وتتنوع توقعات السوريين والمجتمع الدولي بشأن ما يمكن أن تحققه فعليًا على الأرض.
رمزية الزيارة.. فتح صفحة جديدة
يرى مسؤولون سوريون أن الزيارة تمثل لحظة مفصلية لإعادة بناء الثقة بين سوريا والأمم المتحدة، بعد سنوات طويلة من التوتر، والتشكيك، والتباعد السياسي.
وزير الخارجية أسعد الشيباني وصف الزيارة بأنها “لحظة تاريخية”، في محاولة لإظهار انفتاح الحكومة الانتقالية على التعاون الدولي، وإرسال رسالة للداخل والخارج بأن سوريا تدخل مرحلة “ما بعد الصراع”.
من جهة أخرى، يحرص الوفد الأممي، بقيادة السفير السلوفيني صموئيل زبوغار، على التأكيد أن دعمهم يتمحور حول السيادة السورية، وحدة الأراضي، والقيادة المحلية للمرحلة المقبلة، وهي عبارات تشير إلى تجنب أي انطباع بالتدخل المباشر، خاصة بعد حساسية سنوات الحرب.
دوافع مجلس الأمن.. استعادة الدور المفقود؟
يرى محللون أن الأمم المتحدة تسعى، من خلال هذه الزيارة، إلى استعادة نفوذ فقدته خلال سنوات الحرب، حين تراجع حضورها لصالح القوى الإقليمية والدولية المتنافسة داخل سوريا.
هناك اعتقاد في الأوساط الدبلوماسية أن الزيارة تعكس رغبة المجلس في تعزيز شرعية الحكومة الانتقالية الجديدة بعد رفع العقوبات عن الرئيس المؤقت أحمد الشرع.
الحيلولة دون انزلاق سوريا إلى مرحلة اضطراب جديدة خلال الانتقال السياسي.
ضمان عدم تحوّل البلاد إلى ساحة تهديد للدول المجاورة.
تهيئة أرضية لإعادة الإعمار التي تحتاج إلى غطاء دولي واسع.
يرى آخرون أن الزيارة مرتبطة أيضًا بمحاولات الأمم المتحدة تحسين صورتها، بعد اتهامات عديدة بالعجز عن وقف الحرب السورية أو تقديم حلول فعّالة.
المعارضة السابقة لأسد.. ترحيب مشروط
بالنسبة لشرائح واسعة من المعارضة التي كانت تعارض الأسد، تبدو الزيارة خطوة إيجابية لكنها غير كافية.
بعضهم يرى أن دعم مجلس الأمن لسوريا يجب أن يُترجم إلى:
ضمانات قوية بخصوص العدالة الانتقالية.
فتح تحقيقات حول الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب.
إشراك أوسع للمنظمات المدنية والسياسية في صياغة مستقبل البلاد.
آخرون يشعرون بالقلق من أن التركيز الدولي على الاستقرار قد يأتي على حساب العدالة، وأن الأمم المتحدة قد تميل، كما حدث في بلدان أخرى، إلى التسويات التي تُبقي جزءًا من النظام القديم داخل هيكل الدولة.
أنصار الحكومة الانتقالية .. دعم دولي طال انتظاره
في أوساط مقربة من الحكومة الانتقالية، تسود أجواء تفاؤل حذر. بالنسبة لهم، فإن وجود وفد مجلس الأمن في دمشق يُعد بمثابة اعتراف دولي رسمي بالقيادة الجديدة وبشرعية المرحلة الانتقالية.
يرون أن الزيارة قد تفتح الباب أمام:
دعم اقتصادي عاجل يعالج الانهيار المعيشي.
مساعدات لإعادة الإعمار في المدن المنهكة.
تدريبات على بناء مؤسسات أمنية جديدة.
إعادة فتح السفارات وتحسين العلاقات الخارجية.
لكنهم يدركون أيضًا أن العلاقة مع الأمم المتحدة معقدة، وأن الطريق نحو استقرار كامل طويل ومتعرّج، خاصة في ظل ملفات متفجرة مثل الوضع في الشمال والعلاقة مع تركيا.
المجتمع الدولي.. رسائل مختلطة
تتفق الدول الكبرى على أن سوريا لا يجب أن تبقى بؤرة صراع أو نقطة توتر في الشرق الأوسط، خاصة بعد أن أدى سقوط النظام السابق إلى إعادة خلط الأوراق في المنطقة.
لكن هناك تباين في توجهات القوى الدولية:
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يركزان على التحوّل السياسي الشامل وإرساء المؤسسات الديمقراطية.
روسيا، التي لعبت دورًا حاسمًا خلال السنوات الماضية، تريد ضمان مصالحها العسكرية والسياسية في المرافئ والمجال الإقليمي.
الصين تهتم بالفرص الاقتصادية والاستثمارية طويلة المدى.
ويبدو أن زيارة مجلس الأمن قد تكون محاولة لتقريب هذه المواقف المتباعدة.
على الأرض.. المخاوف ما تزال قائمة
رغم الخطاب المتفائل، تبقى العديد من التحديات دون حلول:
ملايين اللاجئين ينتظرون ضمانات واضحة للعودة الآمنة.
السلطة الانتقالية ما تزال تواجه جيوب مقاومة موالية للنظام السابق.
البنية التحتية في كثير من المدن مدمّرة بشكل شبه كامل.
الاقتصاد في حالة انهيار، مع معدلات بطالة وفقر غير مسبوقة.
كذلك، يتخوف السكان من أن تتحول الزيارة إلى مجرد حدث دبلوماسي دون نتائج ملموسة.
زيارة دمشق القديمة وجوبر.. رمزية ومفارقة
زيارة الوفد لدمشق القديمة ثم ضاحية جوبر المدمرة تحمل رسائل متباينة:
الأولى تُظهر الوجه الثقافي والحضاري لسوريا.
الثانية تُذكّر الخراب الهائل الذي يجب معالجته قبل الحديث عن أي مستقبل مزدهر.
هذه الثنائية تلخص واقع البلاد: بين الماضي العريق والرغبة في النهوض، وبين الجراح المفتوحة التي لم تندمل بعد.
التداعيات الإقليمية.. لبنان نموذجًا
الوفد سيتوجه إلى لبنان، وهو بلد مرتبط عضوياً بالأزمة السورية.
وقف إطلاق النار هناك هش، والانقسام السياسي عميق، كما أن أي تغير في سوريا ينعكس فورًا على الداخل اللبناني.
بعض المتابعين يرون أن مجلس الأمن يحاول مقاربة الملفين السوري واللبناني بوصفهما سلة واحدة، نظرًا للتشابك الأمني والاقتصادي والسياسي بينهما.
هل تكون بداية جديدة؟
تُعد أول زيارة لمجلس الأمن إلى سوريا حدثًا غير اعتيادي، يحمل رمزية سياسية كبيرة ورسائل متعددة الاتجاهات.
لكن نجاح هذه الزيارة يعتمد على ما ستتبعه من خطوات: هل ستترجم إلى دعم اقتصادي وسياسي فعلي؟ هل ستقود إلى مصالحة وطنية حقيقية؟ وهل ستساعد في بناء دولة سورية مستقرة وديمقراطية؟
الآراء متباينة، التوقعات متفاوتة، المستقبل مفتوح على احتمالات كثيرة.
لكن ما يتفق عليه الجميع أن سوريا تقف على مفترق طرق، وأن أي خطوة على هذا الطريق ستكون لها آثار عميقة لسنوات طويلة قادمة.