بين التفويض والتوريط…..مصر أمام اختبار اليمن

ماجدة القاضي

غدًا، يجتمع مجلس النواب المصري في جلسة طارئة استجابة لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى منحه تفويضًا للتحرك دفاعًا عن السعودية إذا طلبت الرياض ذلك.

لكن قبل أن تُرفع الأيدي بالموافقة، هناك سؤال يسبق التفويض نفسه:

تفويض لفعل ماذا …؟

حتى الآن، لم تعلن القاهرة مهمة عسكرية محددة، ولا يوجد طلب سعودي معلن للتحرك، كما لم يُحدد نطاق جغرافي أو زمني لأي مهمة محتملة. لذلك فإن جلسة الغد لا تعني أن مصر قررت دخول حرب اليمن، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أكثر إلحاحًا: أين يبدأ الدور المصري المحتمل، وأين ينتهي؟وهذا هو المهم

فالدفاع عن الأراضي السعودية شيء، وتأمين البحر الأحمر وباب المندب شيء آخر، أما المشاركة في عمليات عسكرية لتغيير ميزان القوة داخل اليمن فهي مهمة مختلفة تمامًا.

والفارق بينها ليس لغويًا .

اعتراض صاروخ يستهدف مدينة أو منشأة سعودية مهمة يمكن تعريفها عسكريًا. وتأمين سفن أو ممرات ملاحية في البحر الأحمر له نطاق عمليات يمكن تحديده. لكن ماذا يحدث إذا كان مصدر الصاروخ أو المسيّرة داخل اليمن؟ هل يصبح ضرب منصة الإطلاق جزءًا من الدفاع عن السعودية؟ وإذا استمرت الهجمات، هل يمتد الهدف إلى مخازن السلاح ومراكز القيادة؟ وإذا كان وجود الحوثيين على الساحل هو مصدر التهديد، فهل يصبح إبعادهم عنه جزءًا من المهمة أيضًا؟

هنا يمكن أن يبدأ الفارق بين التفويض والتوريط.

ليس بالضرورة لأن طرفًا يريد جر مصر إلى حرب مفتوحة، وإنما لأن منطق العمليات العسكرية نفسه يستطيع توسيع المهمة خطوة بعد أخرى لمدى غير معلوم .

وتبدأ المعضلة من أن هدف الحرب في اليمن نفسه ليس واحدًا.

الحكومة اليمنية تتحدث عن استعادة الدولة والأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون، بينما تتركز أهمية جانب من العمليات الحالية على الساحل ومحيط باب المندب، سواء لإبعاد التهديد عن الملاحة أو لتحسين ميزان القوة قبل أي تسوية سياسية.

وبين الهدفين حرب كاملة.

تأمين منطقة ساحلية أو ممر ملاحي يمكن، نظريًا، تحديد نطاقه الجغرافي والعسكري. أما استعادة الدولة اليمنية، فالسؤال يصبح أكبر: إلى أين تصل العمليات؟ الحديدة؟ صنعاء؟ صعدة؟ ومن يمسك بالأرض بعد استعادتها؟

مصر تعرف هذا الطريق من قبل.

في 2015 شاركت القاهرة بقوات جوية وبحرية في التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين تحت اسم عاصفة الحزم . لكن بعد أحد عشر عامًا، تغير الخصم وتغيرت البيئة المحيطة بالحرب.

الحوثيون اليوم يمتلكون ترسانة أكبر من الصواريخ والمسيّرات، وقدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة، فيما أصبح تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب يمس مصلحة مصرية مباشرة، لأن اضطراب الطريق البحري ينعكس على حركة قناة السويس.

ولهذا فإن الحساب المصري اليوم لا يبدأ وينتهي عند مساندة السعودية.

هناك مصلحة مصرية مستقلة أيضًا .

فمن السهل تحديد ما يمكن أن تخسره مصر إذا تعرض باب المندب والبحر الأحمر لاضطراب طويل: حركة تجارية أقل، وضغط أكبر على قناة السويس، وتهديد لممر بحري يمثل جزءًا أساسيًا من الأمن والاقتصاد المصريين.

لكن السؤال يصبح أصعب كلما تحركت المهمة بعيدًا عن البحر الأحمر وإلى عمق الصراع اليمني:

ما الذي تريد مصر تحقيقه هناك؟

إذا كان الهدف هو الدفاع عن الأراضي السعودية، يمكن تحديد المهمة وفق طبيعة التهديد.

وإذا كان الهدف حماية الملاحة والمصالح المصرية في البحر الأحمر، يمكن تحديد مسرح العمليات وقواعد الاشتباك.

أما إذا أصبح الهدف تغيير ميزان القوة داخل اليمن، فالأمر يحتاج إلى إجابة مختلفة: ما النتيجة السياسية المطلوبة، وما حجم القوة اللازمة لتحقيقها، ومن يدير الأرض إذا تغيرت السيطرة عليها، ومتى تستطيع مصر القول إن مهمتها انتهت؟

وهنا تظهر مشكلة «اليوم التالي».

فالضربات الجوية تستطيع تدمير منصات ومخازن وإضعاف قدرات عسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد من يحكم المناطق التي يفقدها الحوثيون.

والقوى اليمنية المناهضة لهم ليست كتلة واحدة. لذلك فإن نجاح عملية عسكرية في إبعاد الحوثيين عن منطقة استراتيجية لا ينهي المشكلة تلقائيًا، بل يفتح سؤالًا جديدًا: من يتولى الأمن والإدارة بعدها؟ وكيف تُدار الخلافات بين القوى التي جمعها خصم واحد أكثر مما جمعها مشروع سياسي واحد؟

وهذا هو النوع من الأسئلة الذي يحول الحرب من عملية عسكرية إلى التزام سياسي طويل.

كما أن الكلفة ليست عسكرية فقط.

فهناك تقارير وروايات متباينة عن قنوات اتصال مصرية مع الحوثيين خلال الفترة الماضية. وهي لا تثبت وجود اتفاق أو تفاهم ملزم، لكنها تطرح سؤالًا آخر: إذا تحولت القاهرة من طرف يحتفظ بهامش للتواصل إلى طرف مقاتل مباشرة، فما الذي ستخسره من قدرتها على الحركة أو الوساطة لاحقًا؟

لذلك فإن درس 1962 أو 2015 لا ينبغي اختزاله في أن دخول اليمن خطأ في كل الأحوال.

فالظروف مختلفة، والأهداف المحتملة مختلفة، وقد تكون لمصر مصالح مباشرة تستحق الحماية.

لكن هناك درسًا آخر أكثر فائدة: المهمة التي تبدأ بهدف محدود تستطيع أن تتسع إذا لم يكن لها منذ البداية هدف سياسي قابل للتحقق وحدود واضحة للخروج.

ولهذا لا يكفي أن يعرف البرلمان غدًا لماذا قد تستخدم مصر القوة.

يحتاج أيضًا إلى معرفة ما الذي سيُعتبر نجاحًا.

هل تنتهي المهمة بوقف الهجمات على السعودية؟

أم بإبعاد الحوثيين عن باب المندب؟

أم بتأمين الملاحة؟

أم باستعادة مناطق يمنية؟

أم باستعادة الدولة اليمنية نفسها؟

كل إجابة من هذه الإجابات تعني حربًا مختلفة، وكلفة مختلفة، ونهاية مختلفة.

غدًا، لن يكون السؤال فقط ما إذا كانت مصر ستقف إلى جوار السعودية. فالقاهرة أعلنت بالفعل أن أمن المملكة جزء من حساباتها الأمنية.

السؤال الأصعب هو:

ما الذي يسمح به هذا الوقوف؟

اعتراض صاروخ يستهدف الرياض يمكن أن تكون له مهمة محددة. حماية سفينة في البحر الأحمر لها مسرح عمليات يمكن رسم حدوده. لكن الحرب داخل اليمن يمكن أن تتسع مع كل خطوة: من اعتراض الصاروخ إلى ضرب منصة إطلاقه، ومن ضرب المنصة إلى تأمين الساحل، ومن السيطرة على الأرض إلى تحديد من سيحكمها.

لهذا فإن أهم ما يحتاجه أي تفويض عسكري ليس فقط تحديد اللحظة التي تستطيع فيها مصر استخدام القوة، بل أين تتوقف هذه القوة، وما الشرط الذي تنتهي عنده المهمة.

فالفرق بين التفويض والتوريط قد لا يظهر في اليوم الذي تبدأ فيه الحرب.

قد يظهر في اليوم الذي تريد فيه مصر الخروج منها

اترك تعليقا