“بوسطن للاستشارات” تقرر مصير سبعة عقود من تاريخ جامعة الملك سعود

فهد العرابي الحارثي يكتب

يجري في #جامعة_الملك_سعود اليوم بإلغاء بعض التخصصات في العلوم الإنسانية ليس مجرد قرار أكاديمي عابر، بل هو قرار يعكس تحوّلاً عميقاً في فلسفة التعليم، ولهذا فهو يستحق التوقف عنده بقدر من الحزم والوضوح.

‏فأولاً : فكرة الاستعانة بشركة استشارية مثل Boston Consulting Group تثير سؤالاً مشروعاً: كيف لجامعة عريقة عمرها حوالي 70 عاماً فهي نواة التعليم الجامعي في #السعودية يفترض أنها قلعة بحثية واستشارية يلجأ إليها الراغبون في التطوير والابتكار و تحسين الأداء في كل المجالات و ليس العكس ، و ذلك نظرا لسلاسل الخبرات الطويلة العميقة المنسوبة إليها و نظرا أيضا لتراثها المتراكم الواسع في بناء المعرفة الصلبة ، كيف يحق لها في هذه الحالة أن تُحيل قراراً مصيرياً يمس هويتها المعرفية إلى جهة خارجية مهما كانت تلك الجهة ، فهنا كلفة السمعة التي تمس صورتها ، و هنا أيضا الكلفة المادية للاستشارة الخارجية والتي أظن أنها كبيرة كم عرف عن Bcg .
‏هذا ليس تقليلاً من قيمة الخبرات العالمية، لكن الأصل أن تُبنى مثل هذه القرارات من داخل المؤسسة و لاسيما إذا كانت جامعة بحجم جامعة الملك سعود و تاريخها الحافل الطويل .
‏و الأخطر من ذلك هو المنطق الذي يُبرر إلغاء تخصصات إنسانية كـاللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم النفس بحجة عزوف “سوق العمل”. فهذا بكل صراحة اختزال مخلّ لدور الجامعة، فهي ليست مقاول أو مكتب توظيف، بل مؤسسة لصناعة الوعي وبناء الإنسان. نعم، السوق مهم ، لكن ليس على حساب الذاكرة والهوية والفكر و الجذور . بعبارة أخرى المطلوب من الجامعة هو أن تشرع نوافذها لشموس المعرفة و ليس مطلوبا منها أن تبحث لخريجيها عن وظائف .
‏و إذا كان و لابد من عمل شيء في هذا السياق فبالإمكان معالجة الفجوة بوسائل أكثر توازناً: مثل تحفيز التخصصات المطلوبة و إحاطتها بمزايا مغرية ، وربط مخرجاتها بالفرص، و في الوقت نفسه ترك مساحة حرّة لمن يختار العلوم الإنسانية بدافع الشغف والمعرفة، مع تحميله مسؤولية خياراته المهنية. أما الإلغاء، فهو قرار جذري يحمل في طياته خطراً ثقافياً قبل أن يكون تعليمياً.
‏العلوم الإنسانية ليست ترفاً، بل صمام أمان للمجتمعات في مواجهة التطرف ، والانغلاق ، وفقدان المعنى . وأي إصلاح تعليمي يتجاهل هذه الحقيقة ، إنما يُعيد تعريف الجامعة كمنشأة إنتاج وظيفي… لا كحاضنة حضارية .