روسيا.. ربيع من السخط يختبر سلاح بوتين “لا حوار مع الأزمات”
ملامح تحديات اقتصادية وسياسية تضع الكرملين أمام اختبار
تواجه روسيا اليوم ما يمكن وصفه بـ ‘ربيع السخط’، حيث تتصاعد الضغوط الداخلية الناتجة عن التحديات الاقتصادية والسياسية المستمرة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبرز رد فعل الرئيس فلاديمير بوتين كاستمرارية لنهجه الصارم الذي ميز سنوات حكمه؛ حيث اختار الرد بالأدوات التقليدية التي يتقنها: الحسم الأمني وتعزيز السيطرة المركزية. يتناول هذا التقرير ملامح الاضطراب المتزايد داخل المجتمع الروسي، وكيف تسعى القيادة في الكرملين لاحتواء الأزمة عبر خياراتها الاستراتيجية الوحيدة.”
تمكنت روسيا من تجاوز الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن الحرب، بينما تعمل أجهزتها الأمنية على السيطرة على الاحتجاجات. ولقد أعطى الصراع في الشرق الأوسط المجهود الحربي الروسي دفعة غير متوقعة من خلال ارتفاع أسعار النفط.
ومع ذلك، يبدو أن جهاز الدولة القمعي الروسي يكثف جهوده بشكل ملحوظ. ففي الأسابيع الأخيرة، شنت سلطات إنفاذ القانون جولة جديدة من الاعتقالات والمداهمات السياسية البارزة. وفي الوقت نفسه، تعمل الحكومة الروسية على إحياء أشباح الماضي السوفييتي.
وأحدث مثال على ذلك: في يوم الثلاثاء، داهم مسؤولون من لجنة التحقيق الروسية مكاتب إحدى أكبر دور النشر في روسيا، واعتقلوا موظفين، في أعقاب تحقيق جنائي استمر عاما كاملا فيما تزعم السلطات بأنه قضية “دعاية للمثليين”.
ودار النشر “إكسيمو” هي المالكة لدار نشر فرعية تُدعى “بوبكورن بوكس” تُعنى بنشر روايات خيالية للشباب.
ويبدو أن أحد عناوينها قد أثار تدقيقا خاصا: رواية “صيف برباطة عنق رائدة”، وهي من أكثر الكتب مبيعا في عام 2021، وتدور أحداثها حول قصة حب مثلية بين شابين في مخيم صيفي سوفيتي.
واعتقلت السلطات عددا من الأفراد المرتبطين بدار النشر العام الماضي، وأُغلقت دار “بوبكورن بوكس” في يناير/كانون الثاني.
ولطالما كانت روسيا في عهد بوتين معادية لما تعتبره أفكارا غربية خطيرة، حيث يصور زعيم الكرملين نفسه كمدافع عن القيم التقليدية.
في عام 2023، أعلنت المحكمة العليا الروسية ما تسميه السلطات الروسية “حركة LGBTQ الدولية” منظمة متطرفة، وفرضت عقوبات جنائية شديدة على النشاط الحقوقي للمثليين والمتحولين جنسيا، أو على ما يبدو، في حالة “إكسيمو”، على النشر.
ذكرت وكالة “تاس” الروسية الرسمية للأنباء أن كبار مديري “إكسيمو” أُفرج عنهم بكفالة بعد استجوابهم. لكن صناعة النشر ليست المجال الوحيد الذي تتضاءل فيه مساحة حرية التعبير في روسيا.
في وقت سابق من هذا الشهر، داهمت الشرطة مكاتب صحيفة “نوفايا غازيتا”، الصحيفة المستقلة، التي فاز أحد مؤسسيها بجائزة نوبل للسلام في عام 2021.
وذكرت وكالة أنباء “ريا نوفوستي” الروسية، نقلا عن وزارة الداخلية، أن الصحفي أوليغ رولدوجين احتجز لاستجوابه فيما يتعلق بقضية جنائية حول إساءة التعامل غير القانوني المزعوم مع البيانات الشخصية، ونفى رولدوجين أن يكون مذنبا قبل جلسة الاستماع.
ويتضح التأثير المخيف لهذه القضية.
اضطرت صحيفة “نوفايا غازيتا” إلى إغلاق نسختها المطبوعة بعد غزو أوكرانيا عام 2022، لكنها تواصل النشر على الإنترنت، وتدفع هذه المداهمة ما تبقى من الصحافة الحرة في روسيا إلى الهامش.
يعتبر نشر الأخبار المستقلة في روسيا أمرا صعبا بالفعل. إذ تحظر الحكومة منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة مثل فيسبوك وإنستغرام، وتسعى لفرض تطبيق مراسلة تسيطر عليه الدولة يسمى “ماكس” ليكون البوابة الافتراضية للخدمات الرقمية للسكان. وجاءت مداهمة صحيفة “نوفايا غازيتا” في اليوم نفسه الذي صنفت فيه المحكمة العليا الروسية منظمة “ميموريال”، وهي منظمة حقوقية شهيرة، على أنها “متطرفة”.
وقال فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في بيان، إن هذا التصنيف “يجرم فعليا العمل الهام بمجال حقوق الإنسان” في روسيا.
وبينما يستمر الهجوم على الصحافة، تُعيد السلطات إحياء رموز قديمة للقمع السياسي. فقبل أيام قليلة، أعيدت تسمية أكاديمية جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، حيث تدرب بوتين ليصبح عميلاً في جهاز المخابرات السوفيتية (كي جي بي)، تكريما لفيليكس دزيرجينسكي، المؤسس المرعب لجهاز المخابرات السوفيتية السرية.
وكان إسقاط تمثال دزيرجينسكي أمام مقر جهاز المخابرات السوفيتية عام 1991 أحد الأعمال الرمزية التي مثلت نهاية الاتحاد السوفيتي. لكن يبدو أن السلطات في روسيا عازمة على احتضان الماضي المظلم والاستبدادي للبلاد.
وأفادت وكالة رويترز، الخميس، بأن سفارات بولندا وإستونيا وليتوانيا ولاتفيا قدمت احتجاجا لوزارة الخارجية الروسية، بعد تفكيك مجمع تذكاري في مدينة تومسك السيبيرية مخصص لضحايا الشرطة السرية السوفيتية. وفي وقت سابق من هذا الشهر، أثارت روسيا موجة غضب عندما أقامت معرضا اعتبره بعض المعلقين أنه يمثل تدنيسا لنصب كاتين التذكاري، موقع الإعدام الجماعي لأسرى الحرب البولنديين على يد السوفييت في عام 1940.
لكن إذا كانت الحكومة الروسية تعمل على إحياء أشباح الماضي السوفيتي، وتزيد من معاناة المواطنين الروس، فإن بوتين نفسه يُظهر لامبالاة علنية.
وكسر بوتين صمته، الخميس، بشأن انقطاعات الإنترنت المتكررة التي ضربت العاصمة الروسية مطلع مارس/آذار.
وقال: “لا يسعني إلا أن أشير إلى ما يواجهه الناس أيضا في المدن الكبرى – إنه أمر نادر الحدوث، لكنه للأسف يحدث بالفعل. أقصد بعض مشاكل وانقطاعات الإنترنت في المناطق الحضرية الكبرى”.
وقال بوتين إن انقطاعات الإنترنت التي لا تحظى بشعبية- التي أثرت على التجارة الإلكترونية وجعلت العديد من التطبيقات والخدمات الإلكترونية غير متاحة – كانت “مرتبطة بأنشطة عملياتية تهدف إلى منع الهجمات الإرهابية”. لكنه بدا أيضا وكأنه يشير إلى أن حاجة الجمهور إلى المعرفة كانت محدودة.
وقال: “إن نشر المعلومات العامة على نطاق واسع بشكل مسبق يمكن أن يكون ضارا بسير العمليات، لأن المجرمين- في نهاية الأمر- يسمعون ويرون كل شيء”. “وبالطبع، إذا وصلت إليهم المعلومات، فسوف يقومون بتعديل سلوكهم الإجرامي وخططهم الإجرامية”.
وبعبارة أخرى، فإن الحياة في زمن الحرب تعني ضرورة تحمل قدر من المتاعب. ولا تظهر الأجهزة الأمنية الروسية، التي تعمل على توسيع وتعميق حملة القمع ضد الحياة المدنية، أي علامات تذكر على التراجع.
خلاصة القول، إن رد الفعل الروسي تجاه موجات الغضب الداخلي يعكس عقيدة سياسية ترى في التنازل ضعفاً وفي الحوار مخاطرة. وبينما تزداد وتيرة السخط الشعبي، يواصل بوتين الرهان على استراتيجية ‘البقاء بالقوة’، محولاً روسيا إلى ساحة اختبار لمدى قدرة الأنظمة المركزية على الصمود أمام رياح التغيير. يبقى الرهان القادم مرهوناً بما إذا كانت هذه الأدوات التقليدية كافية لإخماد نيران ‘ربيع’ يرفض أن يمر بسلام.
شبكة سي ان ان الاخبارية