بريطانيا ترفض اعتقال هرتسوغ

حصانة السياسة تهزم القانون

منذ ٤٨ ساعة مضت، والشارع الحقوقي في بريطانيا وأوروبا يعيش حالة من الجدل الصاخب بعد الدعوى القضائية التي رفعتها منظمات حقوقية ضد رئيس إسرائيل إسحاق هرتسوغ أثناء زيارته لندن. فالحدث لم يتوقف عند تقديم الشكاوى، بل عند الصدمة من سرعة الرفض البريطاني لها، وهو ما فتح بابًا واسعًا للانتقاد والاتهام بازدواجية المعايير. منظمات مثل Stop the War Coalition وEuropean Legal Support Centre وHind Rajab Foundation رأت أن السلطات تتجاهل أدلة دامغة قدمتها وكالات أممية ومنظمات دولية، لتعود وتلوّح باللجوء إلى المراجعة القضائية كوسيلة للطعن في قرار النيابة العامة.

هنا يصبح المشهد أكثر من مجرد مسار قانوني؛ إنه اختبار حقيقي لمصداقية بريطانيا في التعامل مع القانون الدولي. فبينما النصوص القانونية، من مبدأ الولاية القضائية العالمية إلى المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة، توجب التحقيق والملاحقة، فإن الواقع السياسي يفرض الحصانة كدرع يحمي هرتسوغ، في ظل علاقات استراتيجية تجعل أي تحرك جريء ضد إسرائيل شبه مستحيل.

على أرض الواقع، تأتي هذه الدعوى في سياق عدوان إسرائيلي متصاعد، حيث تتعرض غزة لقصف يومي يستهدف البنية التحتية المدنية من مدارس ومستشفيات ومخيمات لاجئين، بينما تُفرض عليها حصارات خانقة تمنع الغذاء والدواء والوقود، وهو ما يصنف كعقاب جماعي محظور دوليًا. في الضفة الغربية تتواصل عمليات التوسع الاستيطاني والاعتداءات المنظمة من المستوطنين تحت حماية الجيش، بينما تتجاوز العمليات العسكرية الإسرائيلية الأراضي الفلسطينية لتطال سوريا ولبنان، في مشهد يوحي بسياسة حرب مفتوحة وإعلان مواجهة مع الجميع. هذا الواقع الميداني يعكس بوضوح “العربدة الإسرائيلية” التي لا تعبأ بالقرارات الأممية ولا بالقانون الدولي الإنساني، ويضع الغرب في موقف حرج إذ يظهر بمظهر العاجز أو المتواطئ.

التناقض يظهر بجلاء عند مقارنة النصوص القانونية بالواقع العملي. فالقانون الدولي واضح وصريح في إلزام الدول الأطراف بملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، والحصانة الرسمية لا تعفي من المسؤولية عن جرائم الحرب، لكن الاعتبارات السياسية في بريطانيا تتقدم على هذه الالتزامات. الحصانة الدبلوماسية لرؤساء الدول تُستخدم كدرع واقٍ، والعلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل تجعل من المستبعد أن تقدم السلطات البريطانية على خطوة جريئة كتوقيف رئيسها، رغم أن سوابق دولية عديدة أثبتت إمكانية اعتقال ومحاكمة قادة دول آخرين من أفريقيا والبلقان وغيرهم.

النتيجة أن الدعوى على الأرجح لن تؤدي إلى اعتقال مباشر، لكن جدواها تكمن في فضح التناقض والضغط السياسي والحقوقي. فهي تسلط الضوء على الازدواجية في تطبيق القانون الدولي، وتؤكد أن الغرب مستعد لتحريك القضاء ضد دول بعينها، بينما يغض الطرف عن إسرائيل رغم الأدلة المتراكمة على ارتكابها جرائم حرب. هذه الخطوة تبقى أداة لكشف العجز الأخلاقي والقانوني للنظام الدولي الحالي، وتعزز جهود التوثيق وبناء الملفات القانونية التي قد تُستخدم مستقبلًا في المحاكم الدولية أو في سياقات سياسية جديدة.

بهذا المعنى، فالدعوى ليست مجرد إجراء قانوني محدود، بل هي فعل سياسي وحقوقي يربط بين ما يحدث في ساحات المحاكم الغربية وما يجري ميدانيًا من عربدة إسرائيلية، ويؤكد أن المسألة لم تعد مجرد صراع محلي، بل إعلان حرب مفتوحة على الجميع، يُواجَه حتى الآن بصمت رسمي وتواطؤ عملي من حلفاء إسرائيل في الغرب.