بانكوك تحتضن خلافات القوى الاقتصادية الكبرى

بعدما انسحبت وفود من اجتماع لجنة الشؤون النقدية

كشفت الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، العاصمة التايلاندية، عن انقسام يتجاوز الخلافات السياسية إلى مستقبل التعاون الاقتصادي العالمي، بعدما انسحبت وفود من اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية احتجاجًا على الحرب الروسية في أوكرانيا، بينما كانت الدول تناقش مخاطر الديون وارتفاع أسعار الطاقة واتساع الفجوة التكنولوجية بين الاقتصادات.

ورغم نجاح المشاركين في إصدار بيان مشترك، فإن المشهد أظهر صعوبة تحويل التوافق الدبلوماسي إلى سياسات عملية، خصوصًا مع تزايد احتياجات الدول منخفضة الدخل إلى التمويل، وتراجع المساعدات الدولية، وارتفاع تكاليف الاقتراض. وتبرز أهمية هذه التطورات في أن تداعيات الصراعات لم تعد محصورة في الدول المتورطة فيها، بل تمتد إلى الأسواق والتجارة والأمن الغذائي والاستقرار المالي.

انسحاب الوفود يضع التعاون الدولي أمام اختبار سياسي

شهد اجتماع اللجنة التوجيهية لصندوق النقد الدولي انسحاب عدد من الوفود أثناء كلمة وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف، احتجاجًا على الحرب الروسية في أوكرانيا. وذكرت تغطية رويترز أن نحو نصف المندوبين غادروا القاعة، في مشهد عكس استمرار الخلافات السياسية داخل المؤسسات المالية متعددة الأطراف.

وقال رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناغل إن الانسحاب يمثل إشارة قوية إلى التضامن مع أوكرانيا، معتبرًا أن إنهاء الحرب سيكون الأفضل للاقتصاد العالمي. كما وصف رئيس البنك المركزي الأوكراني أندريه بيشني المشهد بأنه لحظة عاطفية عميقة، معربًا عن دهشته من اتساع المشاركة في الانسحاب.

في المقابل، دافعت واشنطن عن أهمية استمرار الحوار مع موسكو. وقالت إيرين براون، وكيلة وزارة الخزانة الأمريكية، إن حل الأزمات يتطلب إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، مشيرة إلى أن غياب التواصل يجعل التوصل إلى تسوية أكثر صعوبة.

وتكشف هذه المواقف عن خلاف بشأن كيفية التعامل مع روسيا داخل المؤسسات الدولية: فبينما ترى أطراف أوروبية أن استمرار المشاركة الطبيعية قد يضعف الموقف الرافض للحرب، تؤكد الولايات المتحدة أهمية الحوار باعتباره أداة للتوصل إلى الحلول.

ورغم الانقسام، وافق أعضاء اللجنة على البيان الختامي. وقال وزير المالية السعودي محمد الجدعان، رئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، إن الأهم هو اتفاق الأعضاء على البيان، في إشارة إلى رغبة المؤسسات الدولية في الحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق الاقتصادي.

الجدعان وغورغييفا يحذران من اتساع المخاطر

حذر محمد الجدعان من أن صمود الاقتصاد العالمي لا يعني زوال المخاطر، مشددًا على ضرورة عدم التهاون أمام التحديات المرتبطة بالحروب وأمن الطاقة والغذاء وارتفاع الديون العامة.

ودعا إلى إعادة بناء الاحتياطيات المالية مع حماية الفئات الأكثر ضعفًا والحفاظ على الاستثمارات الداعمة للنمو، مؤكدًا أهمية استقلال البنوك المركزية وتعزيز الاستثمار الذي يقوده القطاع الخاص.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل التباين بين قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات. فالدول التي تمتلك احتياطيات كبيرة وأسواقًا مالية عميقة تستطيع امتصاص جانب من ارتفاع التكاليف، بينما تجد الاقتصادات المثقلة بالديون نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة بين تمويل الخدمات الأساسية والوفاء بالتزاماتها المالية.

من جانبها، حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا من تصاعد التباعد بين الاقتصادات، مشيرة إلى مخاوف الدول الأقل دخلًا من التخلف عن ركب التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وأكدت أن الاجتماعات أظهرت استمرار الرغبة في الحوار والتعاون متعدد الأطراف، رغم تكرار الصدمات والانقسام الجيوسياسي.

وتعكس تصريحات غورغييفا مشكلة تتجاوز التكنولوجيا نفسها؛ فالدول التي لا تمتلك بنية تحتية رقمية كافية أو تمويلًا للاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد تواجه صعوبة في زيادة الإنتاجية وجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة.

الديون والمساعدات تكشفان أزمة أعمق

لم تكن الخلافات السياسية التطور الوحيد الذي كشفته اجتماعات بانكوك. فقد سلطت المناقشات الضوء أيضًا على تزايد الضغوط المالية التي تواجه الدول النامية، في ظل ارتفاع الديون وتراجع المساعدات الإنمائية وازدياد تكلفة التمويل.

وفي تقرير نشرته رويترز في 17 أكتوبر، أشار النقاش بشأن تمويل التنمية إلى أن الدين الخارجي للدول النامية بلغ مستوى قياسيًا قدره 12.3 تريليون دولار، بينما انخفضت المساعدات الدولية بنحو 23% خلال عام 2025، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

وقال رئيس البنك الدولي أجاي بانغا إن مواجهة التحديات التنموية تتطلب حلولًا تجمع بين التمويل العام والاستثمار الخاص والعمل الخيري والتكنولوجيا، بدلًا من الاعتماد على مصدر واحد للتمويل.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها في ظل احتياجات متزايدة لتوفير الوظائف للشباب، وتمويل مشروعات البنية التحتية، ومواجهة التغير المناخي، وتحسين الخدمات الأساسية.

لكن توسيع دور القطاع الخاص لا يمثل حلًا تلقائيًا؛ إذ يتوقف نجاحه على قدرة الدول على جذب الاستثمارات، ووجود بيئة تنظيمية مستقرة، وتوزيع المخاطر بصورة لا تحول المشروعات التنموية إلى أعباء مالية إضافية على الحكومات.

كما أن استمرار تراجع المساعدات، بالتزامن مع ارتفاع الديون، قد يدفع بعض الدول إلى تقليص الإنفاق التنموي أو البحث عن مصادر تمويل بديلة، بما يغير خريطة الشراكات الاقتصادية الدولية.

التأثيرات تمتد إلى الطاقة والغذاء والاقتصادات العربية

تنعكس الحروب والتوترات التجارية على الاقتصاد العالمي من خلال قنوات متعددة، أبرزها أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين وتدفقات الاستثمار.

فعندما تتعرض طرق التجارة للاضطراب، ترتفع تكاليف نقل السلع، وقد تتأخر الإمدادات أو تتراجع الكميات المتاحة في بعض الأسواق. وتنتقل هذه الضغوط إلى أسعار الإنتاج والاستهلاك، بما يرفع تكاليف المعيشة ويزيد صعوبة السيطرة على التضخم.

وتتعرض الدول المستوردة للطاقة والغذاء لمخاطر أكبر عندما تتزامن زيادة الأسعار مع ضعف العملات المحلية وارتفاع تكلفة الاقتراض. وفي هذه الحالات، قد تضطر الحكومات إلى زيادة الإنفاق على الدعم أو إعادة ترتيب أولويات الموازنة، بما يحد من الأموال المتاحة للمشروعات والخدمات.

أما الدول العربية المصدرة للطاقة، فقد تستفيد من ارتفاع الإيرادات في بعض الظروف، لكن استمرار الاضطرابات العالمية قد يؤثر أيضًا في الطلب والنمو والاستثمارات. وتواجه الدول العربية المستوردة تحديات تتعلق بفاتورة الواردات والاحتياطيات والقدرة على توفير التمويل.

وبالتالي، لا تتساوى انعكاسات الأزمة على الاقتصادات العربية، بل تتحدد وفقًا لدرجة الاعتماد على الاستيراد، وحجم الدين العام، وتنوع مصادر الدخل، وقدرة السياسات المالية على التعامل مع الصدمات.

ما السيناريوهات المحتملة بعد اجتماعات بانكوك؟

يتوقف المسار المقبل على مدى قدرة الدول على تحويل التوافقات السياسية إلى إجراءات مالية ملموسة. وهناك ثلاثة مسارات رئيسية يمكن مراقبتها.

السيناريو الأول: استمرار التعاون المحدود. قد تحافظ الدول على الاتفاقات العامة داخل المؤسسات الدولية، مع بقاء الخلافات بشأن الحروب والعقوبات والمصالح الاستراتيجية. وفي هذه الحالة، يستمر التنسيق، لكن توفير التمويل الإضافي قد يظل أقل من احتياجات الدول المتضررة.

السيناريو الثاني: تصاعد الضغوط على الاقتصادات الضعيفة. إذا استمرت اضطرابات الطاقة وارتفعت تكاليف الاقتراض مع تراجع المساعدات، فقد تواجه بعض الدول صعوبات أكبر في خدمة الديون وتمويل الواردات والخدمات الأساسية، بما يزيد الحاجة إلى إعادة هيكلة الالتزامات وتوفير برامج دعم جديدة.

السيناريو الثالث: تنويع مصادر التمويل. قد تتجه الدول النامية إلى توسيع شراكاتها الثنائية والإقليمية، وزيادة الاعتماد على الاستثمار الخاص ومؤسسات التمويل التنموي، بهدف تقليل الاعتماد على المساعدات التقليدية. غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بشروط التمويل وتكلفته وقدرة الدول على جذب الاستثمارات.

وتبقى هذه السيناريوهات احتمالات مشروطة بتطورات سياسية واقتصادية لا يمكن حسم نتائجها مسبقًا، فيما سيكون حجم التمويل الفعلي وتكلفة الاقتراض واتجاهات أسعار الطاقة مؤشرات أساسية لقياس المسار الذي سيتحقق.

في رأيي

تكشف اجتماعات بانكوك أن أزمة الاقتصاد العالمي ليست أزمة أموال فحسب، بل أزمة ثقة وتنسيق أيضًا. فالدول التي تتفق على خطورة الديون وارتفاع تكاليف الطاقة قد تختلف بشأن الحروب والعقوبات وتوزيع المسؤولية عن معالجة النتائج.

وتوضح مواقف يواخيم ناغل وإيرين براون أن الخلاف لا يتعلق بمجرد وجود روسيا داخل الاجتماعات، بل بكيفية الموازنة بين التعبير عن المواقف السياسية والإبقاء على قنوات الحوار. وفي الوقت نفسه، يبرز تحذير كريستالينا غورغييفا من الفجوة التكنولوجية خطرًا آخر، يتمثل في احتمال اتساع التفاوت الاقتصادي حتى إذا استقرت الأسواق نسبيًا.

أما بالنسبة إلى الدول النامية، فإن أخطر النتائج المحتملة تتمثل في تحملها تكاليف أزمات لم تكن صاحبة القرار في نشوبها، سواء عبر ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة أو زيادة أعباء الاقتراض أو تراجع التمويل التنموي.

ولذلك، فإن نجاح المؤسسات الدولية ينبغي أن يُقاس بقدرتها على توفير حلول قابلة للتنفيذ، وليس بمجرد إصدار بيانات توافقية. ويتطلب ذلك تمويلًا أكثر استجابة للاحتياجات، وإدارة مستدامة للديون، واستثمارات تساعد الاقتصادات الأقل دخلًا على تطوير قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية.

الخلاصة أن الاتفاق في بانكوك حافظ على باب التعاون مفتوحًا، لكنه لم ينهِ الانقسام. وسيظل الاختبار الحقيقي في قدرة الدول على حماية الاقتصاد العالمي من أن تتحول الصراعات السياسية إلى أعباء طويلة الأمد يدفع ثمنها الأكثر ضعفًا.

اترك تعليقا