باكستان.. زرداري يحذر الجوار ويرسم معادلة الردع
نبرة تحذير ورسائل موجهة للداخل والخارج
- السيد التيجاني
- 2 مارس، 2026
- تقارير
- أفغانستان, إسلام آباد, الرئيس الباكستاني, بنغلاديش, دول الجوار, زرداري
في القاعة الكبرى للبرلمان بالعاصمة إسلام آباد، بدا خطاب آصف علي زرداري أقرب إلى بيان استراتيجي شامل منه إلى كلمة بروتوكولية. التوقيت كان دقيقًا، والمنطقة تغلي على أكثر من جبهة. لذلك حملت كلماته نبرة تحذير واضحة ورسائل موجهة للداخل والخارج معًا.
أكد الرئيس أن باكستان لن تسمح باستخدام أراضي الدول المجاورة لزعزعة استقرارها، في إشارة مباشرة إلى التحديات الأمنية العابرة للحدود. كانت الرسالة حاسمة: الأمن القومي خط أحمر.
أفغانستان بين التعهدات والواقع
توقف زرداري مطولًا عند الملف الأفغاني، مستندًا إلى تقرير أممي حذّر من تنامي نشاط الجماعات المسلحة هناك. أشار إلى أن الوعود التي قُطعت بعد اتفاق الدوحة بعدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية ضد دول الجوار لم تُنفذ بالشكل المطلوب.
ذكر أسماء تنظيمات لا تزال، وفق الرواية الباكستانية، تجد ملاذات آمنة. بدا واضحًا أن إسلام آباد تشعر بأن الصبر الدبلوماسي يقترب من حدوده. الدعوة كانت صريحة: تفكيك هذه الشبكات بدل تركها تتغذى على اقتصاد الحرب.
باكستان تسعى إلى تدويل الضغط على كابول، عبر الاستناد إلى تقارير أممية، تمهيدًا لتحميلها مسؤولية مباشرة عن أي تصعيد أمني مستقبلي.
موقف متوازن من الحرب على إيران
في سياق إقليمي شديد الحساسية، أدان زرداري الحرب التي تُشن على إيران رغم استمرار المفاوضات، وقدم تعازيه في استشهاد علي خامنئي، مؤكدًا دعم سيادة طهران ووحدة أراضيها.
في الوقت نفسه، أدان الهجمات التي طالت عدة دول خليجية، في رسالة توازن دقيقة بين علاقات باكستان المتشابكة في المنطقة.
تحاول إسلام آباد الحفاظ على خيط رفيع بين طهران والعواصم الخليجية، مدركة أن أي انحياز حاد قد ينعكس توترًا داخليًا أو اقتصاديًا عليها.
كشمير… تصعيد في اللغة ودعوة للتفاوض
حين وصل الحديث إلى كشمير، ارتفعت نبرة الخطاب. جدد الرئيس دعم بلاده لقضية جامو وكشمير، مؤكدًا أن الاستقرار في جنوب آسيا لن يتحقق دون حل عادل للنزاع.
وانتقد قرار الهند تعليق معاهدة مياه نهر السند، معتبرًا الخطوة تهديدًا مباشرًا للأمن المائي والزراعي الباكستاني. ومع ذلك، دعا إلى الانتقال من ساحات المواجهة إلى طاولة المفاوضات.:
اللغة كانت صارمة، لكنها لم تُغلق باب السياسة. باكستان تلوّح بالتصعيد القانوني والدبلوماسي أكثر من العسكري، في محاولة لتفادي انزلاق مكلف.
بلوشستان… تحصين الجبهة الداخلية
لم يغفل زرداري البعد الداخلي، فتحدث عن المظالم الاجتماعية والاقتصادية في بلوشستان، مؤكدًا أن أبناء الإقليم شركاء كاملون في مسيرة الدولة.
الرسالة هنا كانت أن الاستقرار الخارجي يبدأ من معالجة الاختلالات الداخلية، وأن التنمية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التوترات.
إدراج بلوشستان في خطاب أمني إقليمي يشير إلى وعي رسمي بأن أي هشاشة داخلية قد تتحول إلى نقطة ضغط خارجية.
الصين والخليج… هندسة شبكة تحالفات
أشاد الرئيس بتطور العلاقات مع بكين، مشيرًا إلى المرحلة الجديدة من الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني باعتبارها رافعة أساسية للنمو والبنية التحتية.
كما تحدث عن تعميق العلاقات مع دول الخليج وتركيا وأذربيجان، معتبرًا أن تنويع الشراكات يمنح باكستان مرونة استراتيجية في عالم يميل إلى الاستقطاب.
إسلام آباد تراهن على الاقتصاد والتحالفات الدفاعية لتقوية موقعها التفاوضي، مستفيدة من موقعها الجغرافي بين آسيا الوسطى والمحيط الهندي.
فلسطين وبنغلاديش… رسائل رمزية للهوية والدور
أكد زرداري استمرار دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس، في تأكيد على ثبات الموقف التقليدي لباكستان.
كما هنأ بنغلاديش على تشكيل حكومتها الجديدة، في إشارة إلى رغبة في تعزيز الاستقرار الإقليمي وترميم العلاقات.
بين الردع والدبلوماسية… معادلة صعبة
انتهت الجلسة بتأجيل أعمال البرلمان، لكن الخطاب فتح نقاشًا واسعًا حول اتجاهات السياسة الباكستانية في مرحلة مضطربة.
باكستان تحاول رسم معادلة تجمع بين الردع والدبلوماسية، وبين التشدد في حماية السيادة والانفتاح على الحوار. غير أن نجاح هذه المعادلة سيعتمد على قدرة إسلام آباد على تحويل الرسائل السياسية إلى خطوات عملية، في بيئة إقليمية تتغير بسرعة ولا تعترف بالفراغ.
يبقى السؤال: هل تنجح باكستان في تثبيت توازنها وسط هذه العواصف، أم أن تشابك الأزمات سيجبرها على خيارات أكثر حدة في المستقبل القريب؟