باكستان تواجه اتهامات بدعم تحالف ضد غزة
ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية
- السيد التيجاني
- 25 يناير، 2026
- تقارير
- باكستان, ترامب, غزة, مجلس السلام
أثار الإعلان عن ما يُسمى بـ«مجلس السلام» المرتبط بقطاع غزة، والذي أُعلن ضمن تحركات سياسية أمريكية، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصاً فيما يتعلق بالاتهامات الموجهة للنظام العسكري الباكستاني بالانضمام إلى ما يُوصف بأنه تحالف إقليمي ضد حركة حماس.
وبينما يرى البعض أن هذه الاتهامات تشكل مؤشراً على اصطفاف خطير ضد القضية الفلسطينية، يرى آخرون أن هذه الادعاءات تحتاج إلى أدلة موثقة قبل الحكم عليها.
تثير هذه القضية مخاوف داخل الشارع الباكستاني، حيث يعتبر كثيرون أن الوقوف إلى جانب أي مشروع يصفه البعض بـ«الإسرائيلي-أمريكي» قد يضر بمصداقية الدولة الإسلامية ويؤثر على علاقتها بالشعوب المسلمة في المنطقة.
الضغوط الرمزية أكثر من الفعلية
يعتقد مايكل كوغلمان، مدير معهد جنوب آسيا في مركز ويلسون بواشنطن، أن باكستان تحاول تاريخياً الحفاظ على توازن دقيق بين علاقتها بالولايات المتحدة ومواقفها المعلنة تجاه القضايا الفلسطينية.
ويضيف: «أي حديث عن انخراط عسكري أو أمني مباشر في ترتيبات تستهدف غزة يحتاج إلى أدلة واضحة، لأن كلفة ذلك داخلياً على المؤسسة الباكستانية ستكون مرتفعة جداً».
ويشير كوغلمان إلى أن الولايات المتحدة غالباً ما تستخدم مصطلحات فضفاضة مثل “السلام” أو “الاستقرار” لتجميع دعم سياسي واسع دون الالتزام بإجراءات ملموسة.
في السياق نفسه، ترى كريستين فير، الباحثة الأمريكية المتخصصة في شؤون جنوب آسيا، أن «إقحام اسم باكستان في هذه الأطر لا يعني بالضرورة مشاركة فعلية»، مشيرة إلى أن المصطلحات الدبلوماسية قد تُستخدم لتضليل الرأي العام أو تسويق تحركات معينة في الإعلام الغربي.
القلق الشعبي والشكوك الداخلية
في باكستان، يعبر بعض المحللين عن مخاوف عميقة من احتمال انخراط الدولة في أي تحالف يستهدف غزة.
زاهد حسين، الصحفي والمحلل الباكستاني، يرى أن القلق الشعبي مفهوم، في ظل تاريخ طويل من التعاون الأمني بين إسلام آباد وواشنطن، مضيفاً: «المؤسسة العسكرية غالباً ما تتخذ قرارات استراتيجية خلف الأبواب المغلقة، ما يفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات».
من جهته، يشدد الأكاديمي الدكتور عمار خان ناصر على خطورة تسييس الخطاب الديني لتبرير سياسات الدولة، موضحاً أن بعض علماء الدين المقرّبين من السلطة أصبحوا يقدمون تبريرات لتصرفات الحكومة أو الجيش، ما يؤدي إلى تآكل الثقة بالخطاب الديني كمصدر أخلاقي مستقل.
أما الباحث السياسي أمجد شعيب فيرى أن أي غياب للشفافية من قبل المؤسسة العسكرية يُفسَّر شعبياً على أنه تواطؤ أو اصطفاف غير مشروع، خصوصاً في القضايا الحساسة مثل فلسطين وغزة.
التوازن بين السياسة والدبلوماسية
يرى السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة، حسين حقاني، أن الاتهامات المتداولة تعكس أزمة ثقة داخلية أكثر مما تعكس واقعاً سياسياً مثبتاً.
ويقول: «باكستان الرسمية، سواء المدنية أو العسكرية، لا تستطيع سياسياً ولا شعبياً الانخراط في أي تحالف يُنظر إليه على أنه معادٍ للفلسطينيين، لكن هذا لا ينفي وجود ضغوط أمريكية مستمرة لتنسيق المواقف».
يؤكد الخبير الأمني إحسان الله تيبو أن السياسة الرسمية الباكستانية ما زالت تقوم على دعم حل الدولتين ورفض استهداف المدنيين، وأن الجيش يدرك تماماً حساسية القضية الفلسطينية لدى الشارع. ويضيف أن أي خطوة خارج هذا الإجماع الشعبي ستفتح جبهة داخلية صعبة على المؤسسة العسكرية.
التاريخ والسياق: دروس من تجارب سابقة
يرى عدد من المحللين أن الجدل حول مجلس السلام يشابه تجارب سابقة في جنوب آسيا والشرق الأوسط، مثل الغزو الأمريكي لأفغانستان، حيث استخدمت واشنطن سياسات «مكافحة الإرهاب» لتبرير تدخلات عسكرية أدت إلى مآسٍ إنسانية واسعة.
يوضح زاهد حسين أن هذه التجارب علمت الجمهور والمحللين على حد سواء التعامل بحذر مع أي مصطلحات دبلوماسية تحمل عناوين «السلام» أو «الاستقرار»، إذ غالباً ما تكون غطاءً لأهداف استراتيجية خفية.
ويشير مايكل كوغلمان إلى أن الولايات المتحدة اعتمدت دائماً على شراء الولاءات عبر التحالفات، وهو ما يفسر القلق من احتمالية ضغوط على باكستان للانخراط في ترتيبات سياسية عسكرية تمس غزة دون إعلان رسمي مباشر.
الرأي الشعبي والمسؤولية الأخلاقية
يشدد المحللون على أن المسؤولية الكبرى تقع على الشعب الباكستاني وعلمائه. يرى الدكتور عمار خان ناصر أن على علماء الدين أن يقولوا كلمة الحق ويفضحوا أي اصطفاف يضر بالقضايا الإسلامية، وإلا فإن صمتهم سيسجل في التاريخ كصمت عن خيانة سياسية وأخلاقية.
كما يحذر أمجد شعيب من أن استمرار أي غموض رسمي أو شعبي قد يجعل الشعب الباكستاني جزءاً من لعبة أكبر لا تخدم إلا مصالح القوى الأجنبية، وتستهدف استقرار المنطقة بأكملها.
بين الحقيقة والاتهام
يتفق معظم الخبراء على أن الحديث عن «مجلس السلام» ودور باكستان فيه يقع في منطقة رمادية بين الشكوك السياسية والحقائق غير المثبتة. وبينما يحذر منتقدون من مخاطر الاصطفاف مع سياسات أمريكية وإسرائيلية، يؤكد آخرون أن غياب الأدلة القاطعة يستدعي الحذر من إطلاق أحكام نهائية.
يبقى العامل الأهم هو الشفافية الرسمية ووضوح الموقف من غزة والقضايا الفلسطينية، وهو ما يمكن أن يخفف من حالة الاستقطاب الداخلي ويعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويخلص الخبراء إلى أن أي دور محتمل للنظام العسكري يجب أن يُدرس في سياق دبلوماسي دقيق، بعيداً عن الاتهامات المبنية على تأويلات غير مؤكدة.