باكستان تلوّح بضرب أفغانستان وتتهم الهند بالتصعيد
في تطور لافت يعكس هشاشة الوضع الأمني في جنوب آسيا
- السيد التيجاني
- 19 فبراير، 2026
- تقارير
- أفغانستان, الهند, باكستان, حرب بالوكالة
في تطور لافت يعكس هشاشة الوضع الأمني في جنوب آسيا، حذّر وزير الدفاع في باكستان، خواجة محمد آصف، من احتمال تنفيذ ضربات جوية داخل أفغانستان إذا استمرت الهجمات المسلحة التي تستهدف الأراضي الباكستانية. التصريحات، التي جاءت خلال مقابلة مع قناة فرانس 24، حملت رسائل ردع مباشرة، وأعادت إلى الواجهة ملف “الحرب بالوكالة” المتشابك بين كابول والهند.
اتهامات بحرب بالوكالة وتعقيد المشهد الأمني
اتهم آصف نيودلهي بالضلوع في أنشطة تهدف إلى زعزعة الاستقرار داخل باكستان عبر دعم جماعات مسلحة تنشط انطلاقاً من الأراضي الأفغانية. وأشار إلى أن من بين هذه الجماعات حركة طالبان باكستان وتنظيم داعش، معتبراً أن غياب الحسم من جانب السلطات في كابول يفاقم التهديدات عبر الحدود.
هذه الاتهامات تعكس سردية باكستانية متكررة بشأن “العمق الاستراتيجي” والصراع غير المباشر مع الهند، حيث ترى إسلام آباد أن خصمها الإقليمي يسعى إلى تطويقها أمنياً عبر الساحة الأفغانية. في المقابل، تنفي الهند باستمرار أي دعم لجماعات مسلحة، وتتهم باكستان بإيواء عناصر تهدد الأمن الإقليمي.
خيار الضربات الجوية: ردع أم مجازفة؟
تلويح إسلام آباد بإمكانية تنفيذ ضربات داخل أفغانستان يضع المنطقة أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، تسعى باكستان إلى إيصال رسالة حازمة بأنها لن تتسامح مع الهجمات العابرة للحدود. ومن جهة أخرى، فإن أي تحرك عسكري مباشر قد يفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب، خصوصاً في ظل التعقيدات السياسية والأمنية داخل أفغانستان.
التجارب السابقة تشير إلى أن العمليات المحدودة عبر الحدود قد تحقق أهدافاً تكتيكية، لكنها نادراً ما تنهي التهديدات جذرياً. كما أن تنفيذ ضربات دون تنسيق رسمي مع كابول قد يضع العلاقات الثنائية أمام اختبار صعب، ويؤدي إلى توتر إضافي في منطقة تعاني أصلاً من فراغات أمنية.
بلوشستان في قلب المعادلة الأمنية
أعلن الوزير الباكستاني عن خطط لتعزيز الانتشار العسكري في إقليم بلوشستان، الذي يشهد منذ سنوات اضطرابات أمنية وهجمات متكررة تستهدف قوات الأمن ومشاريع حيوية. ويُعد الإقليم نقطة حساسة نظراً لموقعه الجغرافي المحاذي لأفغانستان وإيران، فضلاً عن أهميته الاستراتيجية في مشاريع النقل والطاقة.
تعزيز الوجود الأمني هناك يعكس قلقاً متزايداً من تنامي الهجمات المنسقة، ويشير إلى أن الحكومة الباكستانية تتبنى مقاربة مزدوجة: تشديد القبضة داخلياً مع توجيه رسائل تحذيرية خارجياً.
جمود دبلوماسي ومخاطر سوء التقدير
كشف آصف أن إسلام آباد ونيودلهي لم تُجريا أي اتصالات دبلوماسية مباشرة أو غير مباشرة منذ المواجهات التي شهدها مايو 2025. هذا الجمود يفاقم احتمالات سوء الفهم وسوء التقدير، خاصة بين دولتين تمتلكان قدرات نووية.
في غياب قنوات اتصال فعّالة، تصبح التصريحات الإعلامية والرسائل العلنية أدوات رئيسية لإدارة الأزمات، لكنها تبقى أقل فاعلية من الدبلوماسية الهادئة. كما أن الوساطات الإقليمية والدولية لم تحقق حتى الآن اختراقاً يُذكر، ما يزيد من هشاشة الوضع.
البعد السياسي الداخلي وتوحيد الصف
داخلياً، حظيت مواقف الحكومة بدعم من أطياف سياسية متعددة، في مشهد يعكس إدراكاً واسعاً لحساسية المرحلة. الدعوات إلى تعزيز الرقابة البرلمانية على ملفات الأمن القومي تشير إلى محاولة تحقيق توازن بين الحزم الأمني والمساءلة الديمقراطية.
هذا التوافق النسبي يمنح الحكومة هامش حركة أوسع في إدارة الملف الأمني، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف التوقعات الشعبية بشأن تحقيق نتائج ملموسة في الحد من الهجمات.
أبعاد إقليمية ودولية أوسع
لا يمكن فصل التصعيد الحالي عن السياق الجيوسياسي الأوسع في جنوب آسيا والشرق الأوسط. فباكستان تسعى إلى الحفاظ على صورتها كشريك مسؤول في قضايا الأمن الدولي، بما في ذلك استعدادها للمساهمة في مهام حفظ السلام. وفي الوقت ذاته، تواجه تحديات مباشرة على حدودها الغربية والشرقية.
المجتمع الدولي يراقب التطورات بقلق، إذ إن أي انزلاق إلى مواجهة مفتوحة بين قوى إقليمية مسلحة نووياً ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المنطقة. كما أن استمرار التوتر في أفغانستان يهدد بتقويض جهود الاستقرار وإعادة الإعمار.
بين الردع والتصعيد: أي مسار للمستقبل؟
تصريحات وزير الدفاع الباكستاني تعكس استراتيجية تقوم على الردع الصريح، لكنها تكشف أيضاً حجم الضغوط الأمنية التي تواجهها البلاد. التحدي الأكبر يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين إظهار الحزم ومنع الانجرار إلى صراع أوسع.
في نهاية المطاف، سيعتمد مسار الأحداث على قدرة الأطراف المعنية على إعادة تفعيل قنوات التواصل، وضبط الخطاب السياسي، والتعامل بواقعية مع التهديدات الأمنية المشتركة. فجنوب آسيا تقف اليوم أمام مفترق طرق، حيث يمكن للحوار أن يخفف حدة التوتر، أو أن يؤدي غيابه إلى دوامة تصعيد يصعب احتواؤها.