باكستان تعمّق الشراكة مع روسيا وسط تحديات دبلوماسية

ما يضع إسلام آباد في موقف صعب بين طرفين متنازعين

عقد نائب رئيس الوزراء الباكستاني ووزير الخارجية محمد إسحاق دار اجتماعاً في إسلام آباد مع سفير باكستان لدى روسيا الاتحادية، فيصل نياز تيرميزي، وذلك لمناقشة التطورات الجارية في العلاقات الثنائية بين باكستان وروسيا، وسبل تعزيز الانخراط الدبلوماسي والتعاون المشترك في القضايا الإقليمية والدولية.

جاء هذا الاجتماع في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تحولات جيوسياسية وإقليمية كبيرة، تتطلب من القوى الإقليمية مثل باكستان وروسيا تنسيق مواقفهما بصورة أوثق، سواء في سياق الأمن، الاقتصاد، أو التعاون متعدد الأطراف.

المواقف الرسمية: مناقشات وبيانات

خلال اللقاء، أطلع السفير تيرميزي وزير الخارجية دار على آخر المستجدات المتعلقة باللقاءات مع موسكو، والجهود المبذولة لتعزيز العلاقات الباكستانية‑الروسية في المجالات السياسية، الاقتصادية، والأمنية.

وذكر البيان الصادر عن وزارة الخارجية الباكستانية أن الجانبين ناقشا آليات تنسيق مستمر في قضايا تهم البلدين، لا سيما ضمن المنتديات الإقليمية ومنظمة شنغهاي للتعاون.

من جانبه، أكد إسحاق دار على أهمية استمرار الانخراط الدبلوماسي بين إسلام آباد وموسكو، موضحاً أن هذا الانخراط لا يقتصر على تبادل الزيارات، بل يمتد إلى تنسيق مواقف رسمية في المحافل الدولية، بما يخدم مصالح باكستان الإستراتيجية.

وتعكس هذه المواقف رغبة باكستان في ترسيخ علاقات متوازنة مع مختلف القوى الكبرى، بما في ذلك روسيا، والتي تعتبر لاعباً مؤثراً في القضايا الإقليمية الممتدة من آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط.

العلاقات السياسية: شراكة أوسع من بروتوكولات دبلوماسية

تاريخياً، لا تمتد العلاقات بين باكستان وروسيا لما هو طويل مقارنة مع علاقات أخرى في المنطقة مثل باكستان‑الصين أو باكستان‑الولايات المتحدة، لكنها شهدت دفعة في السنوات الأخيرة نحو تعزيز التعاون السياسي.

في اجتماع مجلس رؤساء حكومات منظمة شنغهاي للتعاون في موسكو، أكد كل من وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ووزير الخارجية الباكستاني دار على التطور الإيجابي في العلاقات الثنائية، وشددا على ضرورة تعميق التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية داخل المنظمة الأممية ومنظمة شنغهاي للتعاون.

وتسعى باكستان من خلال هذا الإطار إلى تعزيز مكانتها الدبلوماسية في محيط متغير تتداخل فيه المصالح الأمنية والسياسية، خصوصاً في آسيا الوسطى والجنوبية، حيث تتشارك مع روسيا العديد من الاهتمامات.

الجانب الاقتصادي: فرص وتحديات

على الرغم من أن العلاقات الاقتصادية التجارية بين باكستان وروسيا ليست بالقوة التي تمثلها علاقات البلدين مع شركاء آخرين مثل الصين أو الولايات المتحدة، إلا أن هناك إشارات على زيادة الاهتمام المشترك بالجانب الاقتصادي.

تشير بيانات خارجية إلى أن باكستان تسعى إلى تنويع شركاء تجارتها الخارجية، بما في ذلك روسيا، خاصة في قطاعات الطاقة، البنية التحتية، والتكنولوجيا. لكن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تواجه تحديات في الوصول إلى مستوى تبادل تجاري موسع ومستدام.

روسيا، من جانبها، تسعى إلى توسيع نفوذها الاقتصادي Beyond أسواق الطاقة التقليدية في أوروبا وآسيا الوسطى، من خلال شراكات جديدة في جنوب آسيا، ولاسيما مع باكستان التي تمثل بوابة استراتيجية لمشاريع النقل واللوجستيات في الإقليم.

ولو نجح البلدان في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بينهما، فقد يساهم ذلك في تنمية الصناعات المحلية، خلق فرص عمل، وزيادة التبادل التجاري بين الجانبين.

الأمن والاستقرار الإقليمي: محور تعاون حيوي

الأمن الإقليمي يمثل أحد أهم الأبعاد التي تجمع بين باكستان وروسيا، إذ تشترك الدولتان في مخاوف مشتركة تتعلق بالإرهاب، التطرف، والأزمات الحدودية.

على سبيل المثال، أبدت وزارة الخارجية الروسية استعدادها للوساطة والعمل مع شركائها من أجل تسوية النزاعات في المنطقة، بما فيها التوترات بين باكستان وحركة طالبان في أفغانستان، مؤكدة على الحل عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية.

وبينما تتعامل باكستان مع التحديات الأمنية الخاصة بها في الحدود الغربية، فإن التنسيق مع روسيا في أطر متعددة الأطراف كمنظمة شنغهاي للتعاون يمكن أن يعزز استقرار المنطقة بشكل أوسع.

الآثار الجيوسياسية: موقف باكستان تجاه التوازن الدولي

تعكس جهود باكستان لتعزيز العلاقات مع روسيا رغبتها في تنويع علاقاتها الدولية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على شركاء محددين، وتوسيع قاعدة التعاون في الساحة الدولية.

صحيفة روسية كشفت أن هناك تحسناً في العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة، لكن هذا لا يقلل من أهمية موسكو بالنسبة لإسلام آباد، خاصة فيما يتعلق بالتنسيق الإقليمي. بحسب الجزيرة نت.

وفي سياق أوسع، فإن التوازن في العلاقات مع القوى الكبرى مثل الصين، الولايات المتحدة، وروسيا يعكس سياسة خارجية دبلوماسية براغماتية من قبل باكستان، تسعى إلى الحفاظ على استقلالية القرار وتحقيق مصالحها الإقليمية والدولية، دون الدخول في صراعات أو تحالفات حصرية.

الفوائد المتبادلة والعائد الاستراتيجي

لروسيا:

تعزيز نفوذها في جنوب آسيا عبر شريك دبلوماسي مستقر.

فتح آفاق جديدة للتعاون في قطاعات الطاقة، النقل، والبنية التحتية.

لاباكستان:

الحصول على دعم دبلوماسي في القضايا الإقليمية.

توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع أحد اللاعبين الكبار في الساحة الدولية.

تقوية دورها في المنتديات الدولية متعددة الأطراف مثل منظمة شنغهاي للتعاون.

في حين أن العلاقات بين باكستان وروسيا لا تزال في طور التطور، فإن الاجتماع بين إسحاق دار وسفير باكستان لدى روسيا يعكس إرادة واضحة لتعميق الانخراط الدبلوماسي والتنسيق السياسي بين البلدين.

من خلال تعزيز العلاقات الثنائية، يمكن لكلا البلدين أن يستفيدا من فرص دبلوماسية واقتصادية وأمنية مهمة، تسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتحقيق مصالحهما الإستراتيجية في عالم يتطلب تنسيقاً عملياً وأفقياً بين القوى الفاعلة.

يرى الخبير السياسي الباكستاني شارات سابخارفال فيري أن تعزيز العلاقات مع روسيا يمثل خطوة إيجابية تتيح لباكستان تنويع شراكاتها الإستراتيجية وتقوية دورها الدبلوماسي في ملفات إقليمية مثل الأمن الأفغاني والاستقرار الإقليمي، خصوصاً مع استعداد روسيا للتوسط بين باكستان وأفغانستان ودعم الحوار السياسي، مما يخدم مصالح إسلام آباد على الصعيد الدولي،  وفق .مصراوي

في المقابل، يحذر بعض المحللين من أن الاعتماد المتزايد على موسكو قد يُضعف قدرة باكستان على الموازنة بين القوى الدولية ويجعلها أكثر عرضة للتأثيرات الجيوسياسية الروسية، خاصة في ظل تعقيدات العلاقات بين روسيا والغرب وتأثير ذلك على السياسة الخارجية الباكستانية وفق الجزيرة نت.

يرى الكاتب العماد الشدياق أن باكستان قد تخاطر بعلاقاتها مع روسيا إذا لم توفّق بين تعاونها مع موسكو والقوى الغربية في آن واحد، خصوصاً في ظل الحرب الروسية‑الأوكرانية حيث يُنظر إلى روسيا كمنافس للغرب، ما قد يضع إسلام آباد في موقف صعب بين طرفين متنازعين.

ويشير إلى أن ما يبدو تقرّباً باكستانياً من موسكو يمكن أن يُفسَّر على أنه مجازفة بتوازنها الدبلوماسي مع الدول الغربية، في وقت لا تزال باكستان تعتمد اقتصادياً ومالياً على علاقات مع جهات غربية ومؤسسات دولية.

مستفاد من الذكاء الاصطناعي