انهيار صورة العرب عالميا: الأسباب والدروس المستفادة
بوستة مسعود يكتب
- dr-naga
- 23 نوفمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- الألم, الكراهية العالمية, اللامبالاة الإنسانية, بوستة مسعود, صورة العرب, صورة العربي, ـالأمل
- العرب بين الكراهية العالمية واللامبالاة الإنسانية: من المسؤول؟
في كل مرة تُطالعنا نشرات الأخبار بمأساة عربية جديدة، يثور السؤال ذاته في وجداننا: لماذا لا يتألم العالم لأوجاعنا كما يتألم لأوجاع الآخرين؟ لماذا تُغطي الشاشات العالمية زلزالا في تركيا أو اليابان لساعات متواصلة، بينما تمر كارثة في غزة أو السودان أو ليبيا مرور الكرام؟ هل لأن الغرب يكرهنا؟ أم لأننا نحن من قدّمنا للعالم صورة لا تدعو إلى التعاطف؟
هذا السؤال يلامس جرحا عميقا في الوعي الجمعي العربي، جرحا يعيدنا إلى ما هو أبعد من السياسات اليومية، إلى جذور العلاقة بين العرب والعالم.
وإذا أردنا أن نكون واقعيين، فالمسألة لا تتعلق فقط بالآخر الذي قد يكون عنصريا أو انتقائيا في إنسانيته، بل تتعلق أيضا بنا نحن، بموقعنا في العالم، وبما ننتجه أو نفشل في إنتاجه من معنى وقيمة ومكانة.
المفارقة أن العرب ليسوا شعوبا فقيرة أو معزولة؛ فالوطن العربي يختزن أكبر احتياطات النفط والغاز، ويحتل موقعا إستراتيجيا على خطوط التجارة العالمية، ويمتلك رصيدا حضاريا لا يُنكر
صورة العربي في المخيال العالمي
منذ قرون، والعربي يُقدَّم في السرديات الغربية بوصفه “الآخر المختلف”: البدوي العنيف، أو الشرقي الكسول، أو المسلم المتشدد الذي يهدد الاستقرار. وقد تكرّست هذه الصور خلال العهد الاستعماري، ثم تغذّت بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، حتى أصبحت جزءا من الخطاب الإعلامي والسياسي العالمي.
لكن هذه الصورة لم تُبنَ من فراغ؛ فهي استندت إلى واقع عربي مأزوم: دول استبدادية، أنظمة فاسدة، صراعات أهلية، وحروب عبثية. وحين يجد الآخر أن أخبارنا تدور حول الانقلابات والمعتقلات والطغاة واللاجئين، فمن الطبيعي أن تتشكل لديه صورة سلبية، حتى وإن كان في ذلك ظلم وتعميم.
ثروات بلا مكانة
المفارقة أن العرب ليسوا شعوبا فقيرة أو معزولة؛ فالوطن العربي يختزن أكبر احتياطات النفط والغاز، ويحتل موقعا إستراتيجيا على خطوط التجارة العالمية، ويمتلك رصيدا حضاريا لا يُنكر. ومع ذلك، لا تُترجم هذه الثروات إلى قوة أو احترام في المجتمع الدولي.
الغرب ينظر إلى النفط العربي بوصفه مادة خاما تُباع وتشترى، لا بوصفه رافعة لنهضة حضارية. والسبب أن العرب أنفسهم لم يحوّلوا ثرواتهم إلى تعليم عصري، أو اقتصاد متنوع، أو منظومة بحث علمي قادرة على المنافسة. وهكذا يبقى الغنى بلا قوة، وتبقى الصورة العالمية مرتبطة بالتبعية بدل الاستقلال.
في زمن الصورة والسرعة، لا يُنظر إلى ما يجري إلا من خلال الإعلام. والعرب -رغم امتلاكهم عشرات القنوات- فشلوا في صناعة رواية عالمية تُفرض على المشهد
الاستبداد: العائق الأكبر
أكثر ما يشوّه صورة العرب في الداخل والخارج هو الاستبداد. العالم لا يتعاطف مع شعوب تحكمها أنظمة لا تعبأ بها، والمجتمع الدولي يرى أن كثيرا من معاناتنا “نتاج داخلي” أكثر منه “مظلومية خارجية”.
الأنظمة العربية، في غالبيتها، لا تحترم شعوبها، فكيف تطالب الآخرين باحترامها؟ إن غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية، وانتهاك حقوق الإنسان، وتهميش الشباب والمرأة، كلها عوامل تجعل شعوبنا ضعيفة ومكبّلة، وتُظهرنا في الخارج بوصفنا شعوبا “مستسلمة” للظلم.
الإعلام.. الغائب الأكبر
في زمن الصورة والسرعة، لا يُنظر إلى ما يجري إلا من خلال الإعلام. والعرب -رغم امتلاكهم عشرات القنوات- فشلوا في صناعة رواية عالمية تُفرض على المشهد.
الإعلام الغربي يحتكر الوكالات الكبرى (رويترز، فرانس برس، أسوشيتد برس)، وبالتالي يحتكر زاوية السرد.
- مأساة غزة تُقدَّم باعتبارها “رد فعل إسرائيلي” أكثر منها جريمة بحق الإنسانية.
- اللاجئون السوريون يُختصرون في “عبء على أوروبا” بدل أن يُقدَّموا كضحايا حرب مدمرة.
غياب إعلام عربي قادر على مخاطبة العالم بلغته وقيمه جعل قصصنا إمّا مُحرّفة أو مهمّشة.
الكراهية ليست قدرا محتوما، بل انعكاسا لموقعنا الحالي في النظام العالمي. ولو كنا قوة علمية أو حضارية أو اقتصادية، لكان العالم مضطرا إلى احترامنا
هل العالم يكرهنا؟
من السهل أن نقول إن الغرب يكرهنا، وإن آسيا تتجاهلنا، لكن الحقيقة أعقد من ذلك. العالم تحكمه المصالح، والسياسة الدولية انتقائية بطبيعتها. والشعوب تتألم أكثر عندما ترى نفسها في معاناة الآخر. وعندما لا تجد فينا ما يثير الإعجاب أو الأمل، يصبح التعاطف أقل.
الكراهية ليست قدرا محتوما، بل انعكاسا لموقعنا الحالي في النظام العالمي. ولو كنا قوة علمية أو حضارية أو اقتصادية، لكان العالم مضطرا إلى احترامنا. ولو كنا ننتج قيما إنسانية عالمية، لكان الآخر أقرب إلى التعاطف معنا.
مسؤوليتنا قبل مسؤولية الآخرين
من السهل أن نحمّل الآخرين ذنب تجاهلهم معاناتنا، لكن الأصعب أن نسأل: ماذا قدّمنا نحن لتغيير هذه الصورة؟
- نحن من سمحنا للاستبداد أن يعشعش.
- نحن من بدّد ثرواته بدل أن يستثمرها.
- نحن من انشغل بخلافاته الداخلية حتى صار ضعيفا أمام الخارج.
هذا لا يُلغي مسؤولية العالم في ازدواجية معاييره، لكنه يضعنا أمام مسؤوليتنا الكبرى: إصلاح الذات قبل انتظار الإنصاف من الآخرين.
إن استعادة مكانة العرب ليست حلما بعيدا، لكنها مشروطة بجرأة مواجهة الذات قبل مواجهة العالم. فالتغيير يبدأ من الداخل، والتاريخ لا يرحم المتأخرين
كيف نستعيد مكانتنا؟
- إصلاح الداخل: بناء أنظمة تحترم الإنسان العربي، وتطلق طاقات الشباب بدل قمعها.
- استثمار الثروات في التنمية: تحويل النفط والغاز إلى مشاريع تكنولوجية وعلمية وتعليمية.
- إعلام عالمي قوي: قادر على مخاطبة الضمير الإنساني وكسر احتكار الرواية الغربية.
- بناء تحالفات جنوب- جنوب: مع آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، لكسر الهيمنة الغربية.
- إحياء التضامن العربي: لأن العالم لا يحترم شعوبا متفرقة لا ينصر بعضها بعضا.
بين الألم والأمل
قد يكون العالم أقل إنسانية حين يتعلق الأمر بنا، وقد يكون الإعلام أكثر قسوة حين ينقل مآسينا. لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها أن الآخرين لا يكرهوننا فقط؛ بل نحن أيضا لم نحسن تقديم أنفسنا.
حين نصبح شعوبا حرة، متماسكة، منتجة للعلم والفن والقيمة، سيتغير العالم في نظرته إلينا. وحين نتوقف عن انتظار الشفقة ونبدأ بصناعة القوة، سيشعر الآخر بألمنا كما يشعر بألم نفسه.
إن استعادة مكانة العرب ليست حلما بعيدا، لكنها مشروطة بجرأة مواجهة الذات قبل مواجهة العالم. فالتغيير يبدأ من الداخل، والتاريخ لا يرحم المتأخرين.