انقلاب بنين الفاشل يعيد رسم توازنات غرب إفريقيا
وسط تغيّرات جيوسياسية عميقة
- السيد التيجاني
- 9 ديسمبر، 2025
- تقارير
- النيجر, انقلاب بنين, غرب إفريقيا, فرنسا, ماكرون
تعيش منطقة غرب إفريقيا منذ ما يقارب نصف عقد تحت وطأة سلسلة من الانقلابات العسكرية التي أعادت رسم موازين القوى السياسية، ونسفت الكثير من المكتسبات الديمقراطية الهشّة. فمن مالي إلى بوركينا فاسو، وصولًا إلى النيجر،
سياق إقليمي مضطرب: غرب إفريقيا في دوامة الانقلابات
اهتزّت المنطقة على وقع تغيّرات جيوسياسية عميقة، أزاحت حكومات قائمة، ودفعت قوى إقليمية ودولية – وعلى رأسها فرنسا – إلى إعادة تقييم أدوارها التقليدية.
هذا السياق المتوتر جعل أي محاولة انقلابية جديدة تُعامَل كجرس إنذار إضافي، وتحرّك شبكات دبلوماسية وأمنية معقدة، خشية الانزلاق نحو مزيد من الاضطراب.
في خضم هذا المناخ الشائك، وجدت بنين – الدولة التي لطالما اعتُبِرت واحدة من أكثر بلدان غرب إفريقيا استقرارًا – نفسها فجأة في قلب عاصفة سياسية وأمنية، بعدما أعلنت مجموعة من الجنود عزل الرئيس باتريس تالون
وسيطرت على محطة التلفزيون الوطنية. الحدث الذي كان يمكن أن يشكّل تحولًا مفصليًا في تاريخ البلاد لم يُكتب له النجاح، لكنه كشف عن عمق الهشاشة التي يمكن أن تعاني منها حتى الدول ذات المؤسسات الراسخة نسبيًا.
فجر يوم مضطرب: انقلاب فاشل هزّ كوتونو
في صباح يوم الأحد، قطع بث التلفزيون الوطني في بنين ليظهر جنود يعلنون عبر الشاشة الإطاحة بالرئيس تالون، وسط مشاهد أربكت المواطنين وأدخلت البلاد في حالة من الترقب والقلق.
ورغم أن المجموعة الانقلابية حاولت تقديم نفسها كمنقذ للوطن، فإنّ تحركاتها بدت معزولة وغير مدعومة من مفاصل القوى العسكرية الأساسية.
لم يمر وقت طويل قبل أن تتحرك القوات الموالية للرئيس. إذ شنّ الجيش النظامي عمليات سريعة لاستعادة السيطرة، مدعومًا في الوقت نفسه بتنسيق وثيق مع نيجيريا، القوة العسكرية الأكبر في المنطقة.
وبحسب مصادر رسمية، نفّذت نيجيريا ضربات عسكرية في محيط كوتونو، كما نشرت قوات لتعزيز الجيش البنيني، في خطوة أبرزت مدى حساسية الوضع بالنسبة لدول الجوار.
ومع تقدّم القوات الموالية، بدأ الانقلاب يتهاوى على نحو متسارع. ومع حلول المساء، كانت المؤسسات الأساسية للدولة تحت سيطرة الحكومة، وتم الإعلان رسميًا عن إحباط محاولة التمرد.
غير أن نهاية المحاولة لم تُنه الأسئلة التي أثارتها حول نفوذ الفاعلين الإقليميين، وحول موقع فرنسا في منطقة تشهد انقلابًا تلو آخر.
باريس في الخط الأمامي: دعم لوجستي ورسالة سياسية
منذ اللحظات الأولى للأزمة، بدت فرنسا حاضرة على نحو ملحوظ، وإنْ كان بعيدًا عن الضوء المباشر. فبحسب مساعد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قدّمت باريس “دعمًا في مجال المراقبة والرصد والدعم اللوجستي” بناءً على طلب السلطات البنينيّة.
وفي الوقت الذي رفض فيه المساعد الكشف عن مزيد من التفاصيل، فإن مجرد ذكر هذه المساعدة يسلّط الضوء على أهمية الحدث بالنسبة لفرنسا، التي شهدت نفوذها يتراجع بشكل ملحوظ في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
قاد ماكرون بنفسه “جهدًا تنسيقيًا” عبر التواصل مع قادة إقليميين رئيسيين، على رأسهم الرئيس البنيني باتريس تالون، ورئيس نيجيريا، ورئيس سيراليون التي تتولى رئاسة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).
ووفقًا للمصدر الفرنسي، فإن ماكرون أعرب عن “قلق بالغ” من التطورات، معتبرًا محاولة الانقلاب محاولة لزعزعة الاستقرار، ومدينًا إياها بوضوح.
هذا التحرك الفرنسي يكتسب أهمية إضافية إذا ما وُضع ضمن الصورة الأشمل للوجود الفرنسي في الساحل وغرب إفريقيا. فبعد الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر،
وجدت باريس نفسها خارج تلك الدول التي كانت يومًا ما أطرافًا أساسية في عمليات مكافحة الإرهاب الفرنسية. ومع خروج القوات الفرنسية، تراجع نفوذها الدبلوماسي أيضًا، بينما صعدت قوى أخرى – إقليمية ودولية – لملء الفراغ.
من هذا المنظور، كان من الممكن لانقلاب ناجح في بنين، وهي أيضًا مستعمرة فرنسية سابقة، أن يكون بمثابة ضربة إضافية لباريس. ولذلك يمكن قراءة التحرك الفرنسي السريع ليس
فقط كمساعدة لحليف، بل أيضًا كخط دفاع استراتيجي لحماية ما تبقى من نفوذها في المنطقة، وتأكيد أن حضورها لم يتراجع إلى درجة العجز عن الفعل.
إيكواس على الخط: الأمن الإقليمي قبل السيادة
إضافةً إلى فرنسا ونيجيريا، لعبت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) دورًا بارزًا في دعم الحكومة البنينيّة. فقد أعلنت المنظمة عن نشر قوات من غانا وساحل العاج ونيجيريا وسيراليون في بنين، بهدف “الحفاظ على النظام الدستوري”.
التحرك يعكس رغبة إيكواس في استعادة صورتها وهيبتها ككتلة إقليمية قادرة على حماية الديمقراطية، بعد الانتقادات القاسية التي وُجهت إليها خلال الأزمات السابقة، خاصة في النيجر عام 2023، حين هدد الاتحاد الأوروبي وفرنسا بالتدخل دون أن يتحقق شيء على الأرض.
خلال انقلاب النيجر، ظهرت إيكواس بمظهر المهدِّد دون القدرة على التنفيذ، وفشلت في إعادة الرئيس محمد بازوم رغم الضغوط الدولية.
هذا الفشل شكّل ضربة لسمعة المنظمة التي بدت عاجزة عن فرض قراراتها على العسكريين، مما جعل أزمة بنين فرصة مناسبة لإظهار أن المنظمة ما زالت قادرة على الفعل عندما تتوفر الظروف السياسية والعسكرية.
أما بالنسبة لبنين نفسها، فإن طلب الدعم الإقليمي يعكس مدى جدية التهديد الذي شعرت به السلطات. فالبلاد، رغم استقرارها النسبي، تقع في جوار منطقة تشهد تصاعدًا في نشاط الجماعات المسلحة، إضافة إلى موجة واسعة من الانقلابات. ما يجعل أي اهتزاز داخلي خطرًا مضاعفًا.
محاولة الانقلاب الفاشلة
تكشف محاولة الانقلاب الفاشلة في بنين عن تقاطع معقّد بين المصالح الإقليمية والدولية، بين الأمن والديمقراطية، وبين النفوذ المتراجع لفرنسا وطموح دول إيكواس لاستعادة دورها القيادي.
ورغم أن الأحداث انتهت سريعًا، فإن دلالاتها بعيدة المدى، فقد أظهرت هشاشة الأنظمة السياسية في المنطقة، وأبرزت أن دول غرب إفريقيا تقف على خط التماس بين عودة قوية للنزعة العسكرية، ومحاولات متكررة للتمسك بالديمقراطية.
فرنسا، من جانبها، استغلت الفرصة لإثبات أنها لا تزال لاعبًا مؤثرًا، بينما استخدمت إيكواس الحدث لتأكيد أنها قادرة على التحرك الجماعي.
لكن ما يبقى في النهاية هو السؤال الأكبر: هل كان إحباط الانقلاب في بنين مجرد نجاح تكتيكي، أم خطوة أولى في معركة طويلة لاستعادة الاستقرار في منطقة تمور بالأزمات؟
ردود الفعل الدولية والداخلية
في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في بنين، تعددت الآراء وردود الفعل داخليًا وإقليميًا ودوليًا، مما يعكس حساسية اللحظة وعمق التحديات التي تواجه المنطقة. داخليًا، عبّر مواطنون بنينيون عن ارتياحهم لإحباط الانقلاب،
معتبرين أن البلاد تجنبت دخول دوامة عدم الاستقرار التي ابتلعت دولًا مجاورة. في المقابل، رأى آخرون أن المحاولة تكشف عن توترات سياسية كامنة تحتاج الحكومة إلى معالجتها بدل الاكتفاء بالحلول الأمنية.
إقليميًا، أشادت دول غرب إفريقيا بسُرعة التنسيق بين جيوش المنطقة، معتبرة أن نجاح القوات الموالية ووقوف نيجيريا وإيكواس إلى جانب الشرعية الدستورية يمثل تحولًا إيجابيًا في قدرة الإقليم على مواجهة موجة الانقلابات.
غير أن بعض المراقبين أشاروا إلى أن التدخلات العسكرية الخارجية – رغم ضرورتها في اللحظة الحرجة – قد تُثير تساؤلات حول السيادة الوطنية.
أما دوليًا، فقد رحبت فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي بفشل الانقلاب، معتبرة أن استقرار بنين عنصر أساسي في أمن غرب إفريقيا.
وفي الوقت نفسه، ظهرت انتقادات تتعلق باستمرار اعتماد بعض الدول الإفريقية على الدعم الخارجي،
وما إذا كانت هذه المقاربة تعزز الاستقرار فعلًا أم تُفاقم التوترات. بشكل عام، أعادت الأحداث فتح نقاش واسع حول مستقبل الحكم والديمقراطية في المنطقة.