انتخابات بنغلاديش واللعبة الكبرى في جنوب آسيا
منذ الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة
- السيد التيجاني
- 8 فبراير، 2026
- تقارير
- الانتخابات العامة في بنغلاديش, الشيخة حسينة, الصين, الهند, باكستان, بنغلاديش
تمثل الانتخابات العامة في بنغلاديش، المقررة في 12 فبراير، نقطة تحوّل حاسمة في السياسة الداخلية والخارجية للبلاد. فهي أول انتخابات تُجرى منذ الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة عام 2024، بعد انتفاضة طلابية دامية أنهت 15 عامًا من حكمها. لكن أهمية هذه الانتخابات لا تقتصر على الداخل البنغلاديشي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل علاقات دكا مع القوى الإقليمية الثلاث الكبرى: الهند، الصين، وباكستان.
إرث الشيخة حسينة وتداعيات سقوطها
خلال فترة حكمها، ارتبطت الشيخة حسينة بعلاقات وثيقة مع نيودلهي، ما جعل الهند الشريك السياسي والأمني الأبرز لبنغلاديش. غير أن سقوطها، ولجوءها إلى الهند، تسبّبا في تدهور ملحوظ في العلاقات الثنائية. فقد علّقت نيودلهي عمليات الشحن العابر، وقيّدت خدمات التأشيرات، وهو ما انعكس سلبًا على الاقتصاد البنغلاديشي وحركة الأفراد.
حكومة انتقالية تعيد التوازن
تولّت الحكومة المؤقتة، برئاسة الحائز على نوبل محمد يونس، إدارة البلاد في مرحلة شديدة الحساسية. وخلافًا لنهج الحكومة السابقة، سعت الإدارة الانتقالية إلى إعادة التوازن في السياسة الخارجية، مبتعدة عن الانحياز المفرط للهند، ومنفتحة بشكل أكبر على الصين وباكستان.
هذا التحول لم يكن أيديولوجيًا بقدر ما كان براغماتيًا، فرضته ضغوط داخلية ورغبة شعبية في سياسة خارجية أكثر استقلالية.
الهند: إعادة ضبط لا قطيعة
يرى همايون كبير، السفير البنغلاديشي السابق لدى الولايات المتحدة، أن العلاقات مع الهند ستشهد “إعادة ضبط” بغض النظر عن هوية الحكومة المقبلة. ويؤكد أن الضغوط الداخلية في بنغلاديش تجعل من المستحيل العودة إلى العلاقة غير المتوازنة التي سادت في عهد حسينة.
ويقول كبير إن الهند ستتعاون مع أي حكومة منتخبة، لكنها ستحرص على حماية مصالحها، تمامًا كما ينبغي لبنغلاديش أن تفعل. وبحسب تقديره، فإن العلاقات ستعود تدريجيًا إلى طبيعتها، ولكن على أسس أكثر واقعية وأقل تبعية.
باكستان: نافذة تعود للانفتاح
من أبرز التحولات خلال فترة الحكومة المؤقتة تحسن العلاقات مع باكستان، التي شهدت زيادة في التبادلات الاقتصادية واستئناف الرحلات الجوية المباشرة بعد انقطاع دام 14 عامًا. ويرى البروفيسور دلوار حسين، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دكا، أن هذا الانفتاح مرشح للاستمرار بغض النظر عن الحزب الفائز.
ويشير حسين إلى أن حزب بنغلاديش الوطني يتمتع تاريخيًا بعلاقات جيدة مع إسلام آباد، كما أن للجماعة الإسلامية نفوذًا إيجابيًا داخل باكستان. لكنه يؤكد أن القضية الجوهرية بالنسبة لباكستان ليست هوية الحكومة في دكا، بل موقفها من الهند ومدى استعدادها لتبني سياسة خارجية متوازنة.
سياسة التوازن كخيار استراتيجي
يشدد حسين على أن بنغلاديش تدرك أن الهند “واقع جغرافي لا يمكن تجاوزه”، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في أن تكون رهينة لعلاقة أحادية. ولذلك، من المرجح أن تواصل الحكومة المقبلة نهج التوازن بين القوى الإقليمية، دون الانخراط في تحالفات ثلاثية تستفز نيودلهي.
ويستشهد بمحاولات سابقة لإنشاء إطار تعاون ثلاثي يضم الصين وبنغلاديش وباكستان، انسحبت منها دكا سريعًا، في مؤشر على حرصها على عدم الدخول في محاور صلبة.
الصين: الشريك الذي لا بديل عنه
على عكس العلاقات المتقلبة مع الهند، حافظت العلاقات مع الصين على استقرارها، بل وواصلت التوسع بعد سقوط حسينة. فقد كانت بكين من أوائل الدول التي زارها محمد يونس، وأسفرت الزيارة عن حزمة استثمارات وقروض ومنح بنحو 2.1 مليار دولار، شملت مشاريع بنية تحتية استراتيجية.
يؤكد منشي فايز أحمد، السفير البنغلاديشي السابق لدى الصين، أن بكين أصبحت شريكًا لا يمكن استبداله. فهي ليست فقط أكبر مستثمر في مشاريع التنمية، بل أيضًا أكبر شريك تجاري لبنغلاديش.
أرقام تعكس التحول
بلغ حجم التبادل التجاري بين بنغلاديش والصين في السنة المالية 2024–2025 أكثر من 21.3 مليار دولار، مقابل 11.5 مليار دولار مع الهند. ويشير أحمد إلى أن الصين تفوقت تجاريًا على الهند منذ عام 2018، حتى في ذروة التقارب السياسي بين دكا ونيودلهي.
ويضيف أن ما تقدمه الصين من تمويل، وسرعة تنفيذ، وشروط ميسرة، لا تستطيع أي دولة أخرى مجاراته، وهو ما يجعل التعاون معها خيارًا طويل الأمد، بغض النظر عن التغييرات السياسية.
ما بعد الانتخابات: براغماتية لا اصطفاف
تشير مجمل آراء الخبراء إلى أن الانتخابات المقبلة لن تقود إلى تحولات جذرية أو اصطفافات حادة. بل ستكرّس سياسة خارجية أكثر براغماتية، تقوم على تنويع الشراكات، وتجنب الاستقطاب، والحفاظ على هامش مناورة واسع.
في هذا السياق، تبدو بنغلاديش ماضية نحو تثبيت نفسها كدولة توازن إقليمي، لا كحليف تابع. انتخابات 12 فبراير لن تحسم فقط من يحكم البلاد، بل ستحدد أيضًا كيف ستتعامل دكا مع محيط إقليمي معقّد، حيث المصالح تتقدم على الشعارات، والتوازن يصبح ضرورة لا خيارًا.