امتلاك مقاتلات الجيل الخامس ضرورة استراتيجية لمصر

خيارات عديدة في حال فشلت صفقة F-15

نورالدين

في ظل التحولات العميقة التي يشهدها ميزان القوى في الشرق الأوسط، لم يعد امتلاك مقاتلة سيادة جوية متطورة أو مقاتلة من الجيل الخامس خيارًا إضافيًا لمصر، بل أصبح ضرورة استراتيجية ملحّة. فالتطور المتسارع لقدرات الجيوش الإقليمية، وامتلاك بعضها لمقاتلات شبحية متقدمة، يفرض على القاهرة البحث عن منصة قادرة على فرض التفوق الجوي وحماية العمق الاستراتيجي للدولة.

وفي هذا السياق تبدو صفقة مقاتلات F-15 المتعثرة مثالًا واضحًا على التحديات التي تواجهها مصر في سعيها للحصول على مقاتلة ثقيلة بعيدة المدى، تجمع بين القوة النيرانية والتفوق في الاشتباك خلف مدى الرؤية.

وإذا ما انتهت هذه الصفقة إلى طريق مسدود، فإن الاتجاه نحو بدائل أخرى يبقى مطروحًا على الطاولة، سواء من خلال العودة مجددًا إلى مشروع اقتناء سو-35 بنسخة معدّلة وفق المتطلبات المصرية ورادار AESA متطور، أو عبر دراسة خيار المقاتلة الصينية Shenyang J-16 ذات القدرات العالية في مهام السيادة الجوية والهجوم بعيد المدى. كلا الخيارين، رغم تعقيداتهما السياسية، يشكّلان محاولة للحفاظ على توازن القوى واستعادة العمق العملياتي الذي تحتاجه القوات الجوية.

ويُلاحظ أن القاهرة بدأت بالفعل في تمهيد بيئة التشغيل اللازمة لاستقبال مقاتلات متقدمة عبر التعاقد على طائرات FA-50، وهي خطوة تمثل جزءًا من خطة أوسع لإعادة تشكيل هيكل الأسطول الجوي وتحديث قدراته التدريبية والتكتيكية. يميل هذا الاتجاه إلى أن تجعل من المقاتلة الكورية KF-21 ركيزة محتملة في مستقبل القوات الجوية المصرية، لا سيما لما تقدمه من مرونة عالية في التكنولوجيا وإمكانيات التطوير والتعاون الصناعي.

الخيارات المحتملة لمصر

في نهاية مايو 2021 بدأت تبرز تقارير إعلامية تتحدث عن تعاون متنامٍ بين مصر وكوريا الجنوبية في المجال الدفاعي، لاسيما بعد الزيارة التي قام بها وزير مشروعات الدفاع الكوري إلى القاهرة ولقائه بالفريق أول محمد زكي. وقد أشار الجانبان آنذاك إلى نية فتح قنوات شراكة بين الشركات المصرية والكورية في مجالات التصنيع العسكري، ما أثار تكهّنات حول إمكانية أن يشمل التعاون برنامج المقاتلة الكورية KF-X—التي أصبحت لاحقًا KF‑21—خاصة مع الاهتمام المصري بتطوير قدرات سلاح الجو.

غير أن العقبة الأساسية أمام هذا المسار تتمثل في مكوّنات المقاتلة الحسّاسة، وعلى رأسها الرادار ومنظومات الحرب الإلكترونية والملاحة، إذ تُنتج هذه الأنظمة بالتعاون بين كوريا الجنوبية وإسرائيل من خلال شركة Elbit Systems. وبالنسبة لمصر، فإن الاعتماد على مكونات إسرائيلية أمر غير وارد، لما قد يحمله ذلك من ثغرات محتملة في حال حصول مواجهة أو تنافس عملياتي، سواء على مستوى قدرة الرادار أو منظومات الحرب الإلكترونية أو شبكات الملاحة.

ومع ذلك، لا يُعد تجاوز هذا التحدي أمرًا مستحيلًا، إذ أعلنت كوريا الجنوبية سعيها لاستبدال المكونات الأجنبية بتقنيات محلية لتسهيل تصدير الطائرة، بما في ذلك صواريخ جو-جو وجو-أرض.

الفوائد المحتملة من تعاون عميق مع كوريا الجنوبية ستكون كبيرة للغاية، خاصة إذا امتد المشروع إلى تجميع الطائرة في مصر أو تصنيع أجزاء منها. ذلك من شأنه تخفيض التكلفة الإجمالية، وتعزيز القدرات الصناعية المحلية، وإدخال مصر إلى نادي الدول المشاركة في إنتاج مقاتلات متقدمة.

ورغم أن KF‑21 (النسخة الحالية Block I) لا تمتلك حجرة داخلية للذخائر مثل مقاتلات الجيل الخامس الأمريكية، إلا أن تصميمها الشبيه بتلك المقاتلات يمنحها بصمة رادارية وحرارية منخفضة، بينما يسمح تعليق الحمولة خارجيًا بزيادة معدل الوقود والتجهيزات، وبالتالي توفير مدى أكبر ومرونة عملياتية أوسع. وهي بهذا تتجاوز العديد من التحديات المرتبطة بالمقاتلات الأمريكية الشبحية، مثل التكلفة المرتفعة وصعوبة الصيانة المستمرة، كما هو الحال مع F‑35 وF‑22.

لكن هناك خطط لتطوير نسخة مستقبلية تُعرف باسم KF‑21EX (أو Block III) تحتوي بالفعل على حجرة داخلية للأسلحة.

صحيح أن المشروع يحظى بدعم أمريكي، وقد يشكّل ذلك عقبة في منح مصر حق التصنيع أو نقل التكنولوجيا، إلا أن واشنطن—من منظور استراتيجي—قد تفضّل رؤية القاهرة تتجه نحو مقاتلة كورية على أن تتعمّق في التعاون الجوي مع روسيا أو الصين عبر منصات مثل سو‑35 وسو‑57 الروسية وجي-10 وجي-35 الصينية. وهذا العامل قد يسهّل حصول مصر على موافقة ضمنية أميركية، رغم التحفظات التقليدية على التسليح النوعي للقاهرة.

مصر ستنضم لمشروع المقاتلة الشبحية التركية “كآن”؟

كما أوردت تقارير أن مصر تقترب على نحو متسارع من الانضمام إلى برنامج تطوير المقاتلة الشبحية التركية من الجيل الخامس “قآن”، المشروع الذي تراهن عليه أنقرة لتعويض استبعادها من برنامج F‑35 بعد حصولها على منظومة S‑400 الروسية. ويأتي هذا التقارب العسكري في إطار بحث القاهرة عن مقاتلة متقدمة تلبي احتياجاتها المستقبلية في مجال السيادة الجوية.

وقد كشف موقع Tactical Report عن بداية الاهتمام المصري خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تركيا في سبتمبر/أيلول الماضي، حيث أبدى اهتمامًا واضحًا بالطائرة التي تطورها شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI)، عقب معاينة فريق عسكري مصري للنموذج الأوّلي المقرر دخوله الخدمة عام 2030. ووفق موقع “الدفاع العربي”، يُرجَّح توقيع مذكرة تفاهم في نهاية 2025، تحدد إطار الشراكة ودور مصر في البرنامج والجهات المحلية المشاركة فيه.

تتقاطع مصر وتركيا في رؤيتهما نحو تعزيز الاستقلال التكنولوجي في قطاعات الصناعات الدفاعية، كما يجمعهما القلق من التفوق الجوي الإسرائيلي، خاصة بعد الحرب الإسرائيلية‑الإيرانية الأخيرة التي استمرت 12 يومًا ودعت “أكاديمية الاستخبارات التركية” لمراجعة جاهزية القدرات الجوية. كما يسعى البلدان إلى تنويع مصادر التسليح بعيدًا عن القيود الأميركية؛ فتركيا اتجهت إلى شراء منظومة S‑400 ثم مقاتلات يوروفايتر تايفون من أوروبا، بينما لجأت مصر إلى تعزيز شراكتها مع الصين، خاصة بعد فشل صفقة سو‑35 الروسية.

وقد برز التعاون المصري‑الصيني خلال مناورات “نسور الحضارة” في أبريل/نيسان الماضي، حيث عرضت بكين أسلحة متطورة بينها طائرات J‑10C التي أثارت الجدل بعد أدائها اللافت في صراع الهند وباكستان. ورغم نفي الصين رسميًا بيع هذا الطراز للقاهرة، فإن التطورات الأخيرة تجعل هذا الخيار قابلاً للنقاش مستقبلًا.

قدرات “كآن”.. إضافة محتملة للقوات الجوية المصرية

ويبدو أن اهتمام القاهرة بالطائرة التركية جاء بعد تقييم لقدراتها التي تجعلها خيارًا واعدًا لمهام التفوق الجوي والهجوم بعيد المدى. فبحسب موقع SavunmaTR، تتمتع “كآن” بسرعة تصل إلى 1.8 ماخ، ومزايا قتالية متقدمة في مهام جو–جو و جو–أرض، إلى جانب دمج أنظمة ذكاء اصطناعي، وقدرة على القتال دون طيار، ومركز قيادة وسيطرة متكامل. وتتبنى الطائرة مواصفات الجيل الخامس كاملة، بما في ذلك التخفي، المناورة العالية، والسرعة فوق الصوتية.

نجحت الطائرة في أولى رحلاتها التجريبية في 21 فبراير 2024 لمدة 13 دقيقة، بلغت خلالها ارتفاع 8 آلاف قدم. وتكرر النجاح في 6 مايو برحلة بلغت 14 دقيقة وارتفاع 10 آلاف قدم. وقد عزز هذه النجاحات إعلان إندونيسيا توقيع اتفاق لشراء 48 طائرة قآن خلال معرض IDEF 2025 في إسطنبول.

وتخطط تركيا لتسويق الطائرة دوليًا بأسعار أقل تعقيدًا من برنامج F‑35، فيما سيعتمد سلاح الجو التركي على 250 طائرة منها مستقبلًا. وبانضمام “قآن” إلى الخدمة في 2030، تدخل تركيا رسميًا نادي الدول القادرة على تصنيع مقاتلات الجيل الخامس، إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا.

المقاتلة الشبحية الصينية J‑35

اقتربت مصر من امتلاك المقاتلة الشبحية الصينية J‑35، السلاح المتطور الذي تعرضه بكين لأقرب حلفائها، وهو ما يمثل تحولًا جيوسياسيًا مهمًا في سياق التحالفات التقليدية بالشرق الأوسط. هذه الطائرة قادرة على التخفي ومهاجمة الأهداف قبل أن يتم اكتشافها، ما يمنح القاهرة قدرة نوعية لمواجهة التحديات الإقليمية ويحد من التفوق الجوي التقليدي لإسرائيل.

وجود J‑35 في القوات الجوية المصرية ليس مجرد تسليح عادي، بل يمثل إعلانًا عن قوة وطموح القيادة المصرية في إعادة تحديد قواعد اللعبة في المجال الجوي الإقليمي. وكما أشارت صحيفة Newsweek، فإن مجرد الإعلان عن نية مصر اقتناء هذه المقاتلة كان كافيًا لإرباك الحسابات الاستراتيجية، مما يبرز أهميتها السياسية والعسكرية.

تم تطوير النسخة الأولى من J‑35 بالكامل في الصين بواسطة شركة Shenyang Aircraft Corporation، أحد أذرع المجمع الصناعي العسكري الصيني. وتجمع الطائرة بين التخفي الراداري، والتفوق الجوي، والقدرة على تنفيذ ضربات أرضية وجوية دقيقة، مع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم مهام الاشتباك والتحكم.

تتميز الطائرة بنظام رادار مسح إلكتروني نشط، يتيح رصد الأهداف الجوية والأرضية بدقة عالية حتى في بيئات مشوشة إلكترونيًا، إلى جانب نظام استهداف بصري بالأشعة تحت الحمراء لتعزيز فعاليتها في مواجهة الحرب الإلكترونية. وتستطيع J‑35 حمل ما يصل إلى ستة صواريخ داخل حجرة أسلحة داخلية، بالإضافة إلى ست نقاط تعليق خارجية للذخائر الإضافية بما فيها قنابل موجهة وصواريخ كروز وأسلحة مضادة للرادارات. كما تعمل بمحركين من طراز WS‑13، يمنحها سرعة تصل إلى 1.8 ماخ مع قدرة عالية على المناورة وبقاء طويل في ساحة المعركة.

العلاقة العسكرية بين مصر والصين ليست جديدة، بل نتاج عقود من الشراكة الاستراتيجية التي بدأت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وتطورت خلال السنوات الأخيرة. وقد أبدى قادة القوات الجوية المصرية اهتمامًا بالـ J‑35 خاصة بعد مناورات “نسور الحضارة 2025” المشتركة في العام الماضي، حيث اختبر الطيارون المصريون طائرة جي-10سي من الجيل الرابع المتقدم في بيئة تشغيل فعلية، ما شكل نقطة تحول نحو إتمام صفقة مستقبلية، رغم عدم الإعلان رسميًا عنها حتى الآن.

وسيمنح امتلاك J‑35 مصر قدرات غير مسبوقة على الصعيدين العسكري والسياسي، من خلال تعزيز التفوق الجوي والقدرة على تنفيذ عمليات دقيقة دون كشف أنظمة الدفاع الجوي للعدو. كما يعزز هذا التحرك من موقف القاهرة كقوة ردع إقليمية، ويقلل من تبعيتها للولايات المتحدة، التي فرضت قيودًا على تسليح مصر لحماية التفوق الجوي الإسرائيلي.

يمثل اقتناء مصر لإحدى هذه الطائرةات المقاتلة من الجيل الخامس رسالة واضحة إلى واشنطن بأن مصر لديها خيارات استراتيجية بديلة، وإشارة إلى أن احتكار التفوق الجوي الإسرائيلي لم يعد مضمونًا.

*المصدر: موقع الدفاع العربي