اليورانيوم..المعدن المجهول الذي أعاد تشكيل موازين القوة العالمية
رحلة عنصر صاغ معادلة جديدة للطاقة والحرب والتكنولوجيا
- معاذ الجمال
- 23 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- الطاقة المتجددة, الطاقة النظيفة, اليورانيوم, اليورانيوم عالي التخصيب, تخصيب اليورانيوم
لم يكن «اليورانيوم» عند اكتشافه سوى معدن ثقيل مجهول الخصائص، تم استخراجه من صخور داكنة، دون أن يدرك العلماء أنهم يقفون أمام أحد أكثر عناصر الطبيعة تأثيراً في التاريخ الحديث، فخلال أقل من قرنين، انتقل هذا العنصر من “مختبرات الكيمياء” إلى قلب “الفيزياء النووية”، ثم إلى ساحات “الحرب العالمية الثانية”، قبل أن يتحول لاحقاً إلى ركيزة لـ”إنتاج الكهرباء” و”تشخيص الأمراض”، وإلى أحد أهم الموارد الاستراتيجية التي تتنافس الدول على امتلاكها وتأمين إمداداتها منها.
من اكتشاف كيميائي إلى ثورة علمية..
بدأت قصة «اليورانيوم» “عام 1789” عندما تمكن الكيميائي الألماني “مارتن هاينرش” من التعرف إلى مركب جديد أثناء تحليله خام “البيتش بلند” (ويُعرف علمياً اليوم باسم اليورانينيت)، ويتكون أساساً من “أكسيد اليورانيوم”، فأطلق عليه فيما بعد “اليورانيوم”.. يشتق اسم “اليورانيوم” من اسم “كوكب “أورانوس”(أوران-Uran)، إذ أضاف “هاينرش” اللاحقة اللاتينية “ium” الشائعة في أسماء العناصر الكيميائية إلى اسم الكوكب، ليصبح الاسم اللاتيني للعنصر «Uranium»، تخليداً لاكتشاف “أورانوس” الذي أثار اهتمام الأوساط العلمية الأوروبية في “أواخر القرن الثامن عشر”، لكن العنصر المعدني النقي لم يُعزل إلا “عام 1841” على يد الكيميائي الفرنسي “يوجين ميليكيور بيليغوت”.
ولعقود طويلة اقتصر استخدام “اليورانيوم” على “تلوين الزجاج والخزف”، إلى أن أحدث الفيزيائي الفرنسي “أنطوان هنري بكريل” تحولاً جذرياً “عام 1896” عندما اكتشف أن “اليورانيوم” يصدر إشعاعاً طبيعياً بصورة تلقائية، وشكّل هذا الاكتشاف نقطة الانطلاق لأبحاث الزوجين العالمين “ماري وبيار كوري”، اللذين تقاسما مع “أنطوان” «جائزة نوبل» في “الفيزياء” عام “1903” تقديراً لإسهاماتهم الرائدة في دراسة “النشاط الإشعاعي”، واستطاع الزوجان لاحقاً اكتشاف عنصري “الراديوم” و”البولونيوم”، لترسخ أبحاثهما مفهوماً جديداً لـ”بنية الذرة”، وتؤسس مبادىء “علم النشاط الإشعاعي”، الذي أصبح لاحقاً أحد أهم ركائز “الفيزياء النووية” والتطبيقات النووية الحديثة.
الانشطار النووي.. بداية عصر القوة المطلقة..
شهد “عام 1938” نقطة التحول الكبرى عندما نجح العالمان الألمانيان “أوتو هان” و”فريتس شتراسمان” في رصد “انشطار نواة اليورانيوم”، بينما قدمت الفيزيائية “ليز مايتنر” التفسير النظري لهذه الظاهرة، موضحة أن انقسام الذرة يطلق طاقة هائلة غير مسبوقة.
ومع اندلاع “الحرب العالمية الثانية”، تحول الاكتشاف العلمي سريعاً إلى “سباق عسكري”، فقد دفعت المخاوف من امتلاك “ألمانيا النازية” لسلاح نووي، الفيزيائي المجري “ليو زيلارد” إلى إقناع “ألبرت أينشتاين” بإرسال رسالة إلى الرئيس الأميركي آنذاك، “فرانكلين روزفلت” عام “1939”، حذّره فيها من احتمال تطوير “ألمانيا النازية” لـ”سلاح نووي”، ما أدى إلى إطلاق “مشروع مانهاتن”، (أكبر برنامج سري لتطوير السلاح النووي).
وفي “16 يوليو 1945″، شهدت صحراء ولاية نيو مكسيكو أول اختبار نووي ناجح في التاريخ، المعروف باسم “ترينيتي”، ضمن “مشروع مانهاتن”، وأثبت الانفجار، الذي بلغت قوته نحو (21 كيلوطناً من مادة تي إن تي)، أن الطاقة الكامنة داخل نواة الذرة يمكن تحويلها إلى سلاح ذي قدرة تدميرية غير مسبوقة، كان ذلك قبل أن تُلقى قنبلة “ليتل بوي” المعتمدة على (اليورانيوم عالي التخصيب) على “هيروشيما” في “6 أغسطس 1945″، تلتها قنبلة “فات مان” المصنوعة من (البلوتونيوم) على “ناجازاكي” في “9 أغسطس 1945″، ولم يقتصر أثر القنبلتين على الدمار الفوري، بل امتد لعقود بفعل الإشعاعات التي خلفت آثاراً صحية وبيئية طويلة الأمد، لتصبح “الطاقة النووية” منذ ذلك الحين مرتبطة بقدرتها على البناء والدمار في آن واحد.
من المناجم إلى الوقود النووي..
تطور استخراج “اليورانيوم” بصورة كبيرة منذ بدايات التعدين التقليدي، فبعد الاعتماد على المناجم السطحية وتحت الأرض، أصبحت “تقنية الاستخلاص الموضعي” الأكثر انتشاراً، حيث تُحقن محاليل كيميائية في مكامن الخام لإذابة “اليورانيوم” ثم ضخه إلى السطح، قبل معالجته لإنتاج ما يعرف بـ”الكعكة الصفراء”، وهي المادة الأولية التي تدخل في دورة إنتاج “الوقود النووي”.
وتتصدر “كازاخستان” و”كندا” و”ناميبيا” و”أستراليا” قائمة أكبر المنتجين عالمياً، فيما يبلغ الإنتاج السنوي من المناجم نحو (60 ألف طن)، ما يجعل تعدين “اليورانيوم” قطاعاً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الأهمية، خاصة في ظل تنامي الطلب العالمي على الطاقة النووية، باعتبارها أحد الخيارات منخفضة الانبعاثات الكربونية.
ثروة استراتيجية تتجاوز الاستخدام العسكري..
ورغم ارتباط اسم “اليورانيوم” بـ”الأسلحة النووية”، فإن أهميته اليوم تتجاوز البعد العسكري بكثير، فـ”اليورانيوم منخفض التخصيب” يمثل الوقود الأساسي للمفاعلات التجارية التي توفر الكهرباء لملايين المنازل حول العالم، بينما يستخدم “اليورانيوم عالي التخصيب” في بعض المفاعلات المتخصصة والتطبيقات العسكرية.
كما تؤدي “المفاعلات النووية” دوراً محورياً في إنتاج “نظائر مشعة” تستخدم في “الطب”، مثل “الموليبدينوم-99″، الذي يعد أساسياً في تشخيص أمراض “القلب” و”السرطان”، فضلاً عن تطبيقات صناعية وبحثية متعددة.
وبينما يتزايد الاهتمام العالمي بـ”الطاقة النظيفة” و”أمن الإمدادات”، يواصل “اليورانيوم” تعزيز مكانته كأحد أهم الموارد الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين، إذ باتت احتياطيات “اليورانيوم” وإمداداته، تمثل ركناً أساسياً في معادلات “الأمن القومي” و”التنافس الجيوسياسي”، في ظل تنامي دوره كمورد لا غنى عنه لمستقبل الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة.
