اليمن بين مسار الانفصال وتصعيد حضرموت
في مشهد يعكس هشاشة التوازنات القائمة
- السيد التيجاني
- 2 يناير، 2026
- تقارير
- الأمم المتحدة, النزاع, اليمن, حضرموت
تأتي تصريحات عيدروس الزبيدي بشأن مسار استقلال الجنوب في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تحركات عسكرية للحكومة اليمنية في حضرموت، ما يعكس تصاعد التباين بين المشاريع السياسية المتنافسة في البلاد. هذا التزامن لا يبدو عابرًا، بل يشير إلى صراع إرادات بين فرض وقائع سياسية جديدة ومحاولات إعادة ترسيخ سلطة الدولة، في مشهد يعكس هشاشة التوازنات القائمة ويُنذر بمرحلة أكثر تعقيدًا في مسار الأزمة اليمنية
إعلان سياسي يعيد ملف الجنوب إلى الواجهة
أعلن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس قاسم الزبيدي، ما وصفه بـ«مسار واضح لاستقلال جنوب اليمن»، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات سياسية وتنظيمية تهدف إلى استعادة الدولة الجنوبية على حدود ما قبل عام 1990.
وجاء الإعلان خلال كلمة متلفزة تابعتها أوساط سياسية وشعبية واسعة، في توقيت حساس تشهده البلاد على المستويين السياسي والعسكري.
الزبيدي قال إن «القضية الجنوبية دخلت مرحلة الحسم»، مشددًا على أن المجلس الانتقالي يمتلك «الشرعية الشعبية والسياسية» لقيادة هذا المسار.
وأضاف أن أي تسوية سياسية شاملة في اليمن يجب أن تعترف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم. هذا الإعلان أعاد إلى الواجهة ملف الجنوب الذي ظل حاضرًا بقوة منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015.
تحركات عسكرية وتقدم حكومي في حضرموت
بالتزامن مع إعلان الزبيدي، شهدت محافظة حضرموت تحركات عسكرية لافتة، حيث أعلنت قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عن تقدم ميداني في عدد من المناطق، في إطار ما وصفته بـ«إعادة انتشار أمني وعسكري» لتعزيز سيطرة الدولة على المحافظة الاستراتيجية.
مصادر عسكرية أكدت أن هذه التحركات تهدف إلى منع أي فراغ أمني أو محاولات لفرض أمر واقع جديد بالقوة.
ويرى مراقبون أن حضرموت تمثل نقطة ارتكاز رئيسية في الصراع، نظرًا لمساحتها الواسعة وثرواتها النفطية وموقعها الجغرافي المهم.
الكاتب والمحلل السياسي اليمني عبدالسلام محمد يرى أن «حضرموت باتت ساحة اختبار حقيقية بين مشروع الدولة الاتحادية ومشروع الانفصال»، معتبرًا أن أي تصعيد فيها قد ينقل الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا.
آراء وتحليلات سياسية متباينة
أثار إعلان مسار استقلال الجنوب ردود فعل متباينة في الأوساط السياسية اليمنية. المحلل السياسي فارس البيل اعتبر أن خطوة الزبيدي «تحمل طابعًا تصعيديًا سياسيًا، لكنها تعكس واقعًا قائمًا على الأرض منذ سنوات»، مشيرًا إلى أن المجلس الانتقالي يسيطر فعليًا على أجزاء واسعة من الجنوب.
في المقابل، يرى وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أن هذه الدعوات «تمثل تهديدًا لوحدة اليمن وتخدم أجندات خارجية»، مؤكدًا أن الحكومة لن تقبل بأي مشاريع تقسيم، وأن الحل الوحيد يكمن في إطار الدولة اليمنية الموحدة.
أما الأكاديمي اليمني الدكتور عبدالغني الإرياني، فاعتبر أن «المشهد يعكس فشل المسارات السياسية السابقة في معالجة جذور القضية الجنوبية»، داعيًا إلى حوار جاد يعترف بالمظالم الجنوبية ضمن حل شامل ينهي الحرب.
ردود فعل إقليمية ودولية حذرة
على الصعيد الإقليمي، التزمت معظم الدول المعنية بالملف اليمني الصمت أو أصدرت مواقف عامة دعت فيها إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد. مصدر دبلوماسي خليجي قال إن «الأولوية الآن هي منع تفجر صراع جديد في الجنوب، خاصة في حضرموت، لما لذلك من انعكاسات خطيرة على أمن المنطقة».
الأمم المتحدة من جهتها شددت، عبر بيان لمبعوثها الخاص، على أهمية الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، داعية جميع الأطراف إلى الالتزام بالمسار السياسي وعدم اتخاذ خطوات أحادية قد تقوض جهود السلام.
الناشطة السياسية الجنوبية هدى العطاس ترى أن «المجتمع الدولي يتعامل بازدواجية مع القضية الجنوبية»، معتبرة أن تجاهل مطالب الجنوبيين هو ما يدفع نحو خطوات أحادية مثل إعلان الزبيدي.
مشهد مفتوح على احتمالات متعددة
يبدو أن إعلان مسار استقلال الجنوب، بالتوازي مع التحركات العسكرية في حضرموت، فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع السياسي وربما الميداني في اليمن. فبينما يسعى المجلس الانتقالي لترسيخ مشروعه السياسي، تحاول الحكومة اليمنية إعادة بسط نفوذها ومنع تفكك الدولة.
المحلل الاستراتيجي وضاح الجليل يختصر المشهد بالقول إن «اليمن يقف أمام مفترق طرق حاسم، فإما الذهاب نحو تسوية شاملة تعترف بكل القضايا، أو الانزلاق نحو صراعات جديدة أكثر تعقيدًا».
وفي ظل غياب حل سياسي جامع، تبقى التطورات مفتوحة على جميع السيناريوهات، وسط مخاوف شعبية من أن يدفع المواطن اليمني مجددًا ثمن صراع المشاريع السياسية والعسكرية، في بلد أنهكته الحرب والأزمات المتلاحقة.