الهوس الغربي بالإبادة: دروس من التاريخ حتى غزة
عبد القادر بدر يكتب
- dr-naga
- 19 سبتمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- إبادة الاستعمار, إبادة الصهاينة, الإبادة, الجزائر, الهوس الغربي بالإبادة, عبد القادر بدر
خلق الله البشر مجموعات مختلفة في العِرق واللغة والدين، ليقع التواصل بينهم، وينشأ عن ذلك تلاقح الأفكار وتبادل المنافع. وأعطى لكل مجموعة بشرية ما يكفيها من الموارد والمزايا ومكنها من العيش في سلام ورخاء.
بيد أن الرجل الأبيض (الأوروبي خاصة) لم يقتنع بما تحت يديه من خيرات وبركات تزخر بها أقاليمه ودياره؛ فالتفت إلى بقاع الأرض المختلفة، ونظر إلى أهلها على أنهم قطعان من البشر أدنى منزلة منه، وأنه أسمى منهم عرقا وعقلا ومعرفة.
سال لعابُه على ما تحت أيديهم من خيرات وأراضٍ، فاتخذ قرارا بالاستيلاء عليها مهما كان الثمن، وكانت وسيلته لتحقيق ذلك الغزو ثم الإبادة، ثم الإخضاع القسري لباقي تلك الشعوب.. وهذه هي الفكرة الأساسية لكل الإبادات التي وقعت عبر التاريخ.
انقشع غبار تلك الجريمة عن استشهاد 45 ألف جزائري.. مما كان سببا مباشرا في اندلاع الثورة التحريرية في نوفمبر/تشرين الثاني 1954
الرجل الأوروبي وعقلية الاستضعاف والسطو
بعد عصر النهضة أصبحت أوروبا تتحكَم في أسرار المادة، وأعملت العقل في العلم التجريبي والبحث العلمي، فانكشفت لها أسرار القوة الكامنة في الطبيعة، فسخرت تلك القوة في السيطرة على الشعوب المستضعَفة الغارقة في دياجير الجهالة والدجل، الذاهلة عن أسرار الكون وقواه النابضة بالحياة.
في الرحلات الاستكشافية إلى العالم الجديد (أميركا) وجد الأوروبيون الزاحفون إلى تلك الأرض أقواما لا يكادون يفقهون قولا من شعب الهنود الحمر المسالمين؛ فطمعوا فيما تحت أيديهم من أراضٍ، وما فيها من ثروات منشورة فوقها أو مخبوءة في باطنها.
فأعملوا فيهم عمليات إبادة وتطهير ممنهجة دون رحمة ولا شفقة، وارتكبوا في حقهم مجازر مروعة، ونشروا بينهم أوبئة فتاكة لاستئصال شأفتهم، ونشروا فيمن تبقى بينهم الرعب الذي أدى إلى الهجرة والهروب إيثارا للسلامة والبقاء.
وفي الأخير تحقق لهؤلاء الغزاة القساة ما أرادوا؛ فأصبحوا مالكين لتلك الأرض إلى يوم الناس هذا، وصار أصحاب الأرض الأصلاء أقلية لا وزن لها ولا تأثير في صياغة القرار الوطني.
إن تلك الإبادات الإجرامية لا يمكن أن تصدر إلا عن أناس مرضى وساديين موغلين في الحقد الأعمى والأنا الطاغية، ومنكرين لحق الآخرين في الحياة والعيش بكرامة
منطق الإبادة يجوب الآفاق
على سبيل المثال لا الحصر، هناك مجموعة من عمليات الإبادة التي رأيناها في عصرنا:
- إبادة الاستعمار البلجيكي لشعب الكونغو.
- إبادة الصرب لمسلمي البوسنة والهرسك.
- إبادة الصهاينة لشعب غزة (خصوصا بين 2023 و2025).
- إبادة الاستعمار الفرنسي لشعب الجزائر.
إن تلك الإبادات الإجرامية لا يمكن أن تصدر إلا عن أناس مرضى وساديين موغلين في الحقد الأعمى والأنا الطاغية، ومنكرين لحق الآخرين في الحياة والعيش بكرامة.
فرنسا تبيد 45 ألف جزائري في أيام معدودات
بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها سنة 1945، وعمت أفراح دول الحلفاء المنتصرين، خرج الجزائريون في مظاهرات عمت مدن سطيف وقالمة وخراطة، رافعين مطالب الاستقلال عن فرنسا مثل بقية الشعوب. فما كان جواب جيش الاحتلال الفرنسي على تلك المظاهرات إلا الرصاص الحي وهدم القرى على رؤوس ساكنيها عبر المدفعية والطيران الحربي.
انقشع غبار تلك الجريمة عن استشهاد 45 ألف جزائري.. مما كان سببا مباشرا في اندلاع الثورة التحريرية المباركة في نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1954، التي انتهت بنيل الجزائريين حريتهم بعد أن قدموا فداء لذلك مليونا ونصف المليون من الشهداء في مدة سبع سنوات (بين 1954 و1962).
على مرأى ومسمع العالم أجمع مارس الصهاينة -وما يزالون- أفعال إبادة بحق الشعب الفلسطيني، فلم يتركوا جريمة إلا ارتكبوها، ولا فظيعة إلا وأنزلوها بشعب أعزل من المدنيين
غزة.. جرح الأمة النازف
في عصر ثورة الإعلام وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي تنزلق الصهيونية ومن ورائها العالم الغربي إلى هوة السقوط الحضاري؛ حيث تنكرت للمبادئ التي أعلنها الغرب، كحقوق الإنسان وحرية الصحافة وحق تقرير المصير والعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية، وحماية الطفولة والمرأة.
فعلى مرأى ومسمع العالم أجمع مارس الصهاينة -وما يزالون- أفعال إبادة بحق الشعب الفلسطيني، فلم يتركوا جريمة إلا ارتكبوها، ولا فظيعة إلا وأنزلوها بشعب أعزل من المدنيين: نساء وأطفالٍ ورجال؛ من هدم غزة بأكملها على رؤوس ساكنيها وإبادة من كان تحتها من البشر، إلى جرف الطرقات وردم الآبار، وإحراق مولدات الكهرباء، وتدمير المستشفيات وسيارات الإسعاف، وقتل الصحفيين والمسعفين، وحرق البشر وردمهم أحياء، ونبش القبور، وسرقة الجثث ونهب الأعضاء الحساسة منها.. إلى غير ذلك من الجرائم التي تندى لها جباه الأسوياء.
يحدث كل ذلك من أجل كسر إرادة الشعب الفلسطيني، ووأد أحلامه في التحرر، وإسكات قضيته الخالدة، والاستيلاء على أرضه المقدسة، ومن بينها “عقار” غزة لتحويله -كما زعموا- إلى ريفييرا الشرق الأوسط بعد سحق وإخضاع مقاومته الأسطورية، التي قارعت -ولا تزال- قوى البغي والشر في هذا العالم.
إن قوانين الإنسانية قد انتحرت على تراب غزة الصامدة، وأمام أجساد شهدائها ودماء أهلها التي سالت أنهارا، تخلقت لدى أهلها مظلومية كبرى ستكون عواقبها خطيرة في قابل الزمن
إن تلك الجرائم التي ارتكبها الغرب على يد الصهيونية وقعت أمام سمع وبصر العالم، دون اكتراث بمشاعر البشرية، ودون خوف من عقاب ولا حتى عتاب. وناهيك عن ذلك جريمة التجويع والتعطيش في واحدة من أقذر موجات الحقد والتعصب الأعمى، ومنطق الانتقام الذي ينفخ في نيرانه قطعان من الحاخامات المهووسين بأوهام التلمود.
كل هذا له واجهة مدنية من ساسة بثياب أنيقة وربطات عنق زاهية الألوان في واشنطن ولندن وباريس وأوتاوا وبرلين، يمثلون دور التمدن والتحضر وإعطاء دروس الحضارة لقتلاهم وضحاياهم وهم بالملايين.. إنهم يحملون تحت تلك البذلات صدورا ملأى بالفكر ذاته الذي أحدث المجازر ضد الهنود الحمر والشعوب المستضعفة في غزة والجزائر والبوسنة والكونغو وميانمار وكشمير، وغيرها كثير.
إن السلام العالمي لا يزال بعيد المنال ما دام هذا الفكر المتعصب لا يريد أن يرعوي ويكتفي بما تحقق له من رفاهية على حساب دماء وأشلاء المقهورين في هذا العالم؛ بل إن شهيته انفتحت لمزيد من السلب والنهب لكل بقعة يشع منها بريق الثروة.
إن قوانين الإنسانية قد انتحرت على تراب غزة الصامدة، وأمام أجساد شهدائها ودماء أهلها التي سالت أنهارا، تخلقت لدى أهلها مظلومية كبرى ستكون عواقبها خطيرة في قابل الزمن.
# عبد القادر بدر