الهند قلقة من وساطة باكستان في إيران

في ظل ضغوط داخلية كبيرة

تشهد الساحة الإقليمية توتراً متصاعداً على خلفية الحرب المرتبطة بإيران، لكن هذا التصعيد لم يقتصر على البعد العسكري فقط، بل امتد ليشمل تنافساً دبلوماسياً حاداً بين قوى إقليمية، أبرزها الهند وباكستان. 

ففي الوقت الذي تحاول فيه بعض الدول لعب دور الوسيط لاحتواء الأزمة، تجد نيودلهي نفسها في موقف حرج، خاصة مع تنامي الحضور الباكستاني في جهود الوساطة، وهو ما أثار قلقاً سياسياً واضحاً داخل الأوساط الهندية.

في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية الهندي إس جايشانكار لتعكس هذا القلق، حيث رفض بشكل صريح الاعتراف بأي دور فعال لباكستان كوسيط،

واعتبر أن هذه الجهود ليست جديدة بل تم توظيفها تاريخياً من قبل قوى كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة منذ عقود. هذه التصريحات، التي وُصفت بأنها حادة، تعكس محاولة هندية لتقليل أهمية التحركات الباكستانية في لحظة حساسة.

أزمة ثقة داخلية في الهند

تأتي هذه التصريحات في ظل ضغوط داخلية كبيرة تواجه حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، خاصة بعد الانتقادات التي طالت سياساتها الخارجية. فقد رأت أطراف معارضة أن انحياز الهند إلى إسرائيل قبل اندلاع الحرب ساهم في تقليص قدرتها على لعب دور متوازن في المنطقة، ما أدى إلى تراجع نفوذها الدبلوماسي.

كما أثارت زيارة مودي الأخيرة إلى إسرائيل جدلاً واسعاً، حيث اعتبرها منتقدون خروجاً عن تقاليد السياسة الخارجية الهندية التي كانت تقوم على التوازن وعدم الانحياز. هذا التحول، بحسب مراقبين، أضعف صورة الهند كقوة محايدة، وأفقدها فرصاً للعب دور الوسيط في أزمات الشرق الأوسط.

باكستان: صعود دبلوماسي لافت

في المقابل، تستفيد باكستان من هذا الفراغ النسبي لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية، حيث تشير تقارير متعددة إلى دورها المتنامي كوسيط بين الولايات المتحدة وإيران.

هذا الدور يعكس تحركاً دبلوماسياً نشطاً من إسلام آباد، التي تسعى إلى إعادة تقديم نفسها كشريك موثوق في حل النزاعات الإقليمية.

ولا يمكن فصل هذا التحرك عن محاولات باكستان تحسين صورتها الدولية، خاصة بعد سنوات من التحديات الاقتصادية والسياسية. فالدخول على خط الوساطة في أزمة بحجم الأزمة الإيرانية يمنحها فرصة لإثبات قدرتها على التأثير في ملفات حساسة، ويعزز من علاقاتها مع القوى الكبرى.

تنافس تقليدي يتجدد

التوتر بين الهند وباكستان ليس جديداً، لكنه يأخذ شكلاً مختلفاً في هذه الأزمة. فبدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، يدور الصراع هذه المرة حول النفوذ الدبلوماسي والقدرة على التأثير في مسارات الأحداث. هذا التحول يعكس طبيعة النظام الدولي الحالي، حيث تلعب القوة الناعمة والدبلوماسية دوراً متزايد الأهمية.

ترى الهند أن أي نجاح باكستاني في هذا الملف قد يترجم إلى مكاسب سياسية واستراتيجية، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل أيضاً على الساحة الدولية. لذلك، تسعى نيودلهي إلى تقويض هذا الدور عبر التشكيك في جدواه ومصداقيته.

انعكاسات إقليمية ودولية

هذا التنافس لا يقتصر تأثيره على البلدين فقط، بل يمتد إلى توازنات أوسع في المنطقة. فنجاح باكستان في لعب دور الوسيط قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويمنحها نفوذاً أكبر في التعامل مع قضايا مثل الأمن الإقليمي والطاقة.

في المقابل، قد تجد الهند نفسها مضطرة لإعادة تقييم سياستها الخارجية، خاصة إذا استمرت الانتقادات الداخلية وتراجع دورها الدولي. وقد يدفعها ذلك إلى محاولة استعادة التوازن في علاقاتها مع دول المنطقة، بما في ذلك تحسين علاقاتها مع إيران، التي تعد شريكاً مهماً في مجالات الطاقة والتجارة.

في ظل هذه التطورات، تبدو الأزمة الإيرانية وكأنها ساحة جديدة لصراع قديم بين الهند وباكستان، لكن بأدوات مختلفة. فبينما تراهن إسلام آباد على الدبلوماسية لتعزيز نفوذها، تحاول نيودلهي الدفاع عن مكانتها التقليدية وسط تحديات داخلية وخارجية متزايدة.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول من سينجح في كسب هذه الجولة من الصراع غير المباشر، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى أي جهود قد تسهم في احتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة النزاع.