النظام الدولي حتى عام 2040 : نحو تعددية أكثر تعقيدًا
استشراف جيوسياسي لعقدين مقبلين
- dr-naga
- 21 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- استشراف جيوسياسي, الاتحاد السوفيتي, النظام الدولي, النظام ثنائي القطبية, الولايات المتحدة
الرائد/شهد النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ثلاث مراحل رئيسية. الأولى تمثلت في النظام ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والثانية بدأت مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 واتسمت بتفوق أمريكي واسع، أما المرحلة الثالثة، التي تتشكل ملامحها اليوم، فتتسم بتوزع القوة بين عدد أكبر من الفاعلين الدوليين والإقليميين، مع صعود التكنولوجيا والاقتصاد والبيانات بوصفها عناصر قوة لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي سيصبح أكثر تنوعًا بحلول عام 2040، مع استمرار نمو الاقتصادات الآسيوية، وتزايد مساهمة الهند وجنوب شرق آسيا وإفريقيا في الناتج العالمي، إلى جانب استمرار الثقل الاقتصادي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين.
ويرى ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لـ مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، أن العالم يتجه إلى ما يسميه “اللاقطبية” أو تعدد مراكز التأثير، حيث لم تعد دولة واحدة قادرة على إدارة جميع الملفات الدولية منفردة، بل أصبحت القضايا العالمية تتطلب تعاونًا بين قوى متعددة ومؤسسات دولية وشركات كبرى.
ومن جانبه، يرى جوزيف ناي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، أن القوة في العقود المقبلة ستقوم على المزج بين القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، وهو ما يطلق عليه “القوة الذكية”، مؤكدًا أن النفوذ سيعتمد بصورة متزايدة على الابتكار، والتعليم، والقدرة على بناء التحالفات.
أما جراهام أليسون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، فيحذر من أن انتقال موازين القوة بين الدول الكبرى قد يزيد من احتمالات التوتر إذا غابت آليات إدارة الأزمات، لكنه يؤكد أن الترابط الاقتصادي العالمي يجعل المواجهة الشاملة أقل احتمالًا من المنافسة طويلة الأمد.
وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيا الحيوية ستصبح المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي والإنتاجية خلال العقدين المقبلين، وهو ما يمنح الدول التي تستثمر في البحث العلمي والتعليم والتقنيات المتقدمة مزايا تنافسية مستدامة.
ويرى إيان بريمر، رئيس مجموعة أوراسيا، أن النظام الدولي يتجه إلى مرحلة “تعددية غير مستقرة”، حيث تتوزع القوة بين عدة أقطاب دون وجود جهة واحدة قادرة على فرض قواعد النظام الدولي بالكامل، الأمر الذي يزيد من أهمية الدبلوماسية وإدارة الأزمات.
وفي المجال الاقتصادي، يتوقع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي استمرار انتقال جزء من النشاط الصناعي نحو آسيا، مع توسع دور الهند وجنوب شرق آسيا، واستمرار أهمية الولايات المتحدة وأوروبا في الابتكار والخدمات المالية، بينما تزداد مساهمة إفريقيا وأمريكا اللاتينية في إنتاج الغذاء والمعادن الإستراتيجية والطاقة.
كما يتوقع منتدى الاقتصاد العالمي (WEF) أن تصبح البيانات والذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والمعادن الحرجة عناصر أساسية في التنافس الدولي، إلى جانب استمرار أهمية الطاقة التقليدية والمتجددة، والأمن الغذائي، والمياه، وسلاسل الإمداد.
ويرى كيفن رود، رئيس جمعية آسيا ورئيس الوزراء الأسترالي السابق، أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين ستظل أحد أهم محددات النظام العالمي، لكنها لن تكون العامل الوحيد، إذ إن صعود الهند، ودور الاتحاد الأوروبي، والقوى الإقليمية المتوسطة، سيؤدي إلى نظام أكثر تعقيدًا من الثنائية التقليدية.
أما باراج خانا، مؤلف كتاب Connectography، فيرى أن شبكات التجارة، والممرات اللوجستية، والبنية التحتية، والكابلات البحرية، وسلاسل القيمة العالمية، ستؤثر في توزيع النفوذ الدولي بقدر تأثير الجغرافيا السياسية التقليدية، وربما أكثر.
وفي الجانب الديموغرافي، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن معظم النمو السكاني العالمي سيتركز في إفريقيا وجنوب آسيا، وهو ما سيعيد توزيع أسواق العمل والاستهلاك والتعليم والاستثمار، ويزيد من أهمية هذه المناطق في الاقتصاد العالمي.
كما يتوقع RAND Corporation والمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) أن يشهد العالم توسعًا في المنافسة في مجالات الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والأنظمة غير المأهولة، مع استمرار أهمية الردع العسكري، لكن ضمن بيئة أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والاقتصاد.
وتشير تقارير OECD Strategic Foresight إلى أن مستقبل النظام الدولي سيتوقف على قدرة الدول على التعامل مع خمسة تحديات مترابطة: تغير المناخ، والتحول الديموغرافي، والثورة التكنولوجية، والأوبئة، وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
ويرسم الخبراء أربعة سيناريوهات رئيسية حتى عام 2040:
السيناريو الأول يتمثل في تعددية مستقرة، تتقاسم فيها القوى الكبرى المسؤولية داخل مؤسسات دولية أكثر إصلاحًا، مع استمرار الانفتاح الاقتصادي.
السيناريو الثاني يقوم على تكتلات اقتصادية وإقليمية متنافسة، مع تراجع العولمة التقليدية وزيادة الاعتماد على سلاسل توريد إقليمية.
السيناريو الثالث يتمثل في تصاعد المنافسة التكنولوجية والاقتصادية دون انزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، مع استمرار التعاون المحدود في ملفات المناخ والصحة.
أما السيناريو الرابع، وهو الأقل ترجيحًا وفق معظم مراكز الدراسات، فيفترض حدوث أزمات متزامنة تشمل الاقتصاد والمناخ والأمن، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل واسعة للنظام الدولي.
ويجمع معظم الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية، وRAND، وCSIS، وIISS، وOECD، ومنتدى الاقتصاد العالمي على أن العالم حتى عام 2040 لن يكون أحادي القطبية ولا ثنائي القطبية بالمعنى التقليدي، بل نظامًا متعدد المراكز، تتوزع فيه القوة بين الدول، والمؤسسات الدولية، والشركات التكنولوجية، والمراكز المالية، وشبكات الابتكار، مع تزايد أهمية المعرفة والتكنولوجيا والموارد الإستراتيجية في تحديد موازين النفوذ.
المصادر:
صندوق النقد الدولي IMF، البنك الدولي، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، OECD Strategic Foresight، منتدى الاقتصاد العالمي WEF، مجلس العلاقات الخارجية CFR، RAND Corporation، مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS، المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية IISS، الأمم المتحدة، وكالة رويترز، فايننشال تايمز.
