المواجهة الغائبة: نحو مشروع تفكيك البناء العقدي الإيراني

‏إبراهيم بن عبد الرحمن التركي/ يكتب

لا تكفي في مواجهة المشروع الإيراني الأدوات العسكرية والأمنية والاقتصادية والإعلامية وحدها، مع إغفال البعد العقدي والفكري؛ فالعمود الفقري لهذا المشروع الإيراني هو العقيدة التي توظف لحشد الناس خلفه والتضحية من أجله.. وكما كانت المواجهة الفاعلة للإرهاب تتضمن تفكيك مشروعه العقدي، الذي يحشد به الأتباع ويوظفهم لخدمة أهدافه؛ فكذلك يمكن تفكيك المشروع الإيراني وسردياته وقضاياه التي يستميل بها أتباعه والمتأثرين به.. وفي الوقت نفسه تكوين مناعة لدى الآخرين ضد التأثر بخطابه المضلل.

ومن أبرز محطات المواجهة الفكرية والعقدية للفرق الباطنية: ما شهده عهد الخليفة المتوكل من نصرة عقيدة أهل السنة، ولا سيما الحنابلة، ثم تعزز ذلك في العصر السلجوقي بإنشاء نظام الملك المدارس النظامية، التي تخرج فيها كبار العلماء، ومن ثمارها كتاب فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية للإمام الغزالي. ثم جاء العصر المملوكي، فبرز شيخ الإسلام ابن تيمية بكتابه منهاج السنة النبوية، الذي ناقش فيه عقائد الباطنية والرافضة وفندها بالأدلة النقلية والعقلية. وتدل هذه التجارب على أن حماية الدول لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى مشروع فكري راسخ يبني وعي المجتمع ويحصنه من الاختراقات العقدية. ورغم اختلاف السياقات التاريخية، فإن هذه التجارب تبين أهمية مواجهة الأبعاد الفكرية للمشروعات ذات الطابع المذهبي، وعدم الاكتفاء بالحلول الأمنية والعسكرية.
وفي عصرنا ظهرت مبادرات علمية وإعلامية فردية كان لها أثر بارز في كشف أصول المشروع الإيراني ونقده، من أبرزها مؤلفات إحسان إلهي ظهير، وكتاب وجاء دور المجوس، وقناة وصال، وغيرها من الجهود الفردية المباركة التي أسهمت في تعزيز الوعي، وكشف كثير من الشبهات، والتنبيه إلى مخاطر المشروع الإيراني
ومن المبادرات العلمية في هذا السياق، مشروع رسالة دكتوراه عن (الصراع مع الصفويين الجدد)، تقع في ١٣٠٠ صفحة، وقد جمعت مادتها على مدار ١٧ سنة، منذ انخداع الكثير من العرب والمسلمين بحرب حزب إيران في لبنان مع الصهاينة عام ٢٠٠٦م.
وكان من المقرر أن تقدم الرسالة ضمن برنامج الدكتوراه في إحدى الجامعات السعودية، قبل ثلاث سنوات، لكن بعض الظروف الخارجة عن الإرادة حالت دون ذلك، وقد بينت الرسالة جرائم إيران وخطرها؛ عقدياً وسياسياً، في الماضي والحاضر، خلال نصف قرن، وتضمنت سيناريوهات مستقبلية وتحذيرات من احتمالات التصعيد والتمدد الإيراني في منطقة الخليج، كما عرضت الرسالة تفاصيل نشاط المشروع الإيراني في ١٠٠ دولة، وختمت باستراتيجية مقترحة في ٧٠ صفحة، لمكافحة هذا الخطر من جوانبه العقدية والفكرية والسياسية.
إن المشروعات العقدية الأيديولوجية لا تُهزم بالقوة العسكرية وحدها، كما لا تُدحض العقائد الفاسدة إلا بعقائد صحيحة، ولا تُغلب الأفكار المنحرفة إلا بأفكار أقوى منها وأهدى.
وكلما كان البناء العقدي للمجتمع أوضح وأرسخ، ضعفت قدرة الخطابات المذهبية على اختراقه أو استقطاب أبنائه. ومن هنا فإن بناء مشروع فكري راسخ يقوم على مبادرات متعددة، كـكتاب«الخلاصة التيمية» يكون ركيزة أساسية في حماية الأمن الوطني والفكري، إلى جانب الجهود العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية.
‏والله المستعان

اترك تعليقا