المقاتلة السويدية “غريبن” تعيد رسم خارطة سوق الطائرات العالمي؟
تنطلق من الطرق العامة وقادرة على الانتقال بين أدوار القتال والهجوم وجمع المعلومات
- Ali Ahmed
- 27 يونيو، 2026
- اخبار العالم, تقارير
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
أحمد كامل
تراجع العديد من الدول في الوقت الراهن أولويات بناء قواتها الجوية في ضوء التحولات الراهنة بسوق الطائرات الحربية؛ فمنذ اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، تعمق الإدراك بأن النزاعات الحديثة قد تتحول إلى معارك استنزاف ممتدة، لا يقاس النجاح فيها بالتفوق التقني المحض بقدر ما يُختبر بمدى القدرة على التعويض السريع واستدامة العمليات العسكرية، إذ لم تعد السيطرة الجوية تقتصر على امتلاك المنصة الأكثر تطورا فحسب.
إلى جانب ذلك، عرّت أزمة سلاسل التوريد – التي بدأت مع جائحة كورونا وتعمقت بفعل الحرب الروسية الأوكرانية – هشاشة البرامج الدفاعية المركبة، وهو ما تجلى في تأخر تسليم صفقات عديدة من المقاتلات الحديثة نتيجة نقص المكونات، الأمر الذي دفع جيوشا كثيرة نحو البحث عن منصات أقل اعتمادا على شبكات التوريد المعقدة، وأكثر مرونة في خطوط الإنتاج.
وفي الوقت ذاته، حدت الضغوط المادية المتزايدة، الناتجة عن التضخم والاضطرار إلى إعادة التسلح السريع لتعويض الخسائر، من قدرة الدول على بناء أساطيل كاملة من الطائرات الشبحية باهظة الثمن، مما قاد إلى تبني مفهوم “الأسطول الهجين” الذي يدمج بين عدد محدود من المنصات النوعية عالية التكلفة، وأعداد أكبر من مقاتلات اقتصادية تتولى مهام الدفاع الجوي والدوريات الروتينية.
كما غدت الأبعاد الصناعية والسياسية ركيزة حاسمة في قرارات الشراء؛ فلم تعد الدول تكتفي بمجرد استيراد الطائرات، بل أصبحت تشترط نقل التكنولوجيا، والتجميع أو التصنيع المحلي لبناء قاعدة صناعية وطنية تعزز استقلالها الإستراتيجي. وفي هذا السياق، تبرز البدائل الأوروبية بمرونة أكبر مقارنة بالقيود الأمريكية الصارمة المرتبطة بأنظمة التصدير والتحكم في التقنيات الحساسة؛ إذ تدفع شروط واشنطن، سواء في تراخيص البيع أو الهيمنة على البرمجيات والتحديثات، بعض الدول إلى البحث عن شركاء يتيحون لها سيادة أوسع في تشغيل أساطيلها وصيانتها وتطويرها بشكل مستقل.
تزايد الإقبال على المقاتلة السويدية “جاس 39 غريبن”
وضمن هذه المعطيات، يبدو تزايد الإقبال على المقاتلة السويدية “جاس 39 غريبن” أمرا منطقيا، على الرغم من أن هذا المشروع لم يكن قبل عقد من الزمن يتجاوز حدود الرهان الوطني المحتشم؛ فحين أقرت الحكومة السويدية عام 2013 شراء 60 مقاتلة من طراز “غريبن إي”، بدا البرنامج حينها موجها لتحديث الأسطول المحلي لا ليكون منصة للمنافسة العالمية. غير أن السنوات التالية حملت تحولا لافتا، إذ حقق البرنامج انتشارا تجاوز التوقعات، حيث تشغل الطائرة اليوم (بنسخ مختلفة) في السويد والتشيك والمجر وتايلاند والبرازيل، مع طلبيات مؤكدة في أوكرانيا وكولومبيا، فضلا عن اهتمام متنام في أسواق واعدة كالهند وكندا.
فهل تعبر هذه الطلبيات المتنامية عن موجة عابرة فرضتها ظروف الحرب والضغوط الراهنة؟ أم أنها تؤسس لتوجه بعيد المدى يعيد رسم خارطة سوق المقاتلات العالمي؟ والأهم من ذلك، ما الذي يدفع دولا عديدة للاستثمار في “غريبن” على وجه التحديد، رغم توفر بدائل أخرى ذات تكلفة معقولة، بما في ذلك المقاتلات الصينية التي تتميز بفرارها من قيود التكنولوجيا الأمريكية وتحررها من تعقيدات شبكات الترخيص الغربية؟
مقاتلة تنطلق من الطرق العامة
ربما الميزة الأبرز للمقاتلة السويدية هي الفلسفة التي تقوم عليها، والمتمثلة في مفهوم “الانتشار اللامركزي”؛ أي القدرة على العمل من قواعد صغيرة، بل وحتى من طرق عامة مجهزة مؤقتا، تحسبا لتعرض القواعد الجوية الرئيسية لهجمات مبكرة في أي صراع واسع النطاق. هذه الفلسفة مرتبطة بعقيدة دفاعية تفترض أن أولى ضربات أي خصم سوف تستهدف البنية التحتية والمدارج الثابتة.
وقد تعاظمت أهمية هذا المفهوم بعد الحرب الأوكرانية، حيث أظهرت الضربات الروسية بالصواريخ والمسيرات هشاشة القواعد الجوية التقليدية، بما دفع كييف إلى توزيع طائراتها واستخدام مدارج بديلة لتقليل الخسائر، وجعل القدرة على الإقلاع والهبوط من مسافات قصيرة والعمل بحد أدنى من الدعم الأرضي ميزة عملياتية.
في هذا السياق، بدا اهتمام أوكرانيا بـ”غريبن” مفهوما، لأنها مصممة أصلا للعمل من مدارج بطول يقارب 400 متر فقط، وبطاقم صيانة محدود، مع إمكانية إعادة التسليح خلال دقائق. وهذا النموذج لا يقتصر على أوكرانيا، فاقتراب دول شرق أوروبا من روسيا جغرافيا يجعل قواعدها أهدافا محتملة في الساعات الأولى من أي مواجهة، بما يمنح الدفاعات المرنة اللامركزية أهمية حاسمة.
الهجوم والاعتراض والاستطلاع
وتؤكد الشركة المصنعة في تعريفها الرسمي بالطائرة أن “جاس” (JAS)، وهو اختصار اسم الطائرة، يُمثل الأحرف الأولى من كلمات: الهجوم والاعتراض والاستطلاع باللغة السويدية. فالمقاتلة قادرة على الانتقال بين أدوار القتال الجوي والهجوم الأرضي وجمع المعلومات الاستخبارية في الطلعة الواحدة، كما يبلغ زمن تجهيز الطائرة 10 دقائق للمناورات الجوية و20 دقيقة للمناورات القتالية (القتال التلاحمي)، بما يمثل مزايا إضافية للمقاتلة على صعيد المرونة أيضا.
فضلا عن ذلك، يمكن للطائرة حمل تشكيلة واسعة من الصواريخ، من بينها صواريخ جو–جو بعيدة المدى من طراز “ميتيور”، إضافة إلى صواريخ قصيرة المدى موجهة بالأشعة تحت الحمراء مثل “آيريس-تي”، وغيرها من الذخائر. إلى جانب رادار مصفوفة مسح إلكتروني نشط قادر على كشف وتتبع عدة أهداف في وقت واحد وعلى مسافات بعيدة، ونظام بحث وتتبع بالأشعة تحت الحمراء لكشف الطائرات المعادية عبر بصمتها الحرارية. كما تمتلك المقاتلة تجهيزات قتالية تقليدية لكنها حاسمة، فهي مزودة بمدفع داخلي سريع الطلقات من طراز “ماوزر”.
تمنح هذه القدرة التسليحية المقاتلة إمكانية الاشتباك مع أهداف جوية من مسافات بعيدة، إلى جانب تنفيذ ضربات أرضية دقيقة عند الحاجة، في حين تحتوي المقاتلة على نظام إنذار مبكر يكتشف اقتراب الصواريخ المعادية وينبه الطيار فورا، إلى جانب حزم تشويش إلكتروني تربك أنظمة التوجيه المعادية، وقنابل مضيئة تُطلَق في الجو لخداع الصواريخ الحرارية وتضليلها بعيدا عن الطائرة. بهذه الطبقات الدفاعية المتعددة، لا تعتمد الطائرة على المناورة وحدها للبقاء، بل على شبكة حماية نشطة تحيط بها أثناء القتال.
خيار اقتصادي.. ولكن
وفقا للبيانات الرسمية، تبلغ تكلفة ساعة الطيران لطرازات “غريبن” الأحدث نحو 22 ألف دولار، يشمل ذلك نفقات الصيانة والوقود والطاقم واللوجستيات. وللمقارنة، فإن ساعة طيران المقاتلة الأمريكية “إف-16” تقارب 30 ألف دولار، بينما تُكلف ساعة طيران المقاتلة الشبحية “إف-35” نحو 46 ألف دولار، أي ما يزيد على ضعف تكلفة ساعة طيران “غريبن”، في حين تظل “رافال” الفرنسية الأقل تكلفة بين نظيراتها الغربية من حيث ساعة الطيران، إذ تبلغ نحو 18 ألف دولار فقط.
وبحسب موقع “ديفِنس إكسبريس”، تُقدَّر تكلفة الصيانة الإجمالية لـ 100 طائرة “غريبن” على مدى 37 عاما بحوالي 21 مليار دولار، في حين تتكلف صيانة أسطول مماثل من مقاتلات “إف-15” الأمريكية في الفترة الزمنية ذاتها نحو 34 مليار دولار. ويشير خبراء الموقع إلى أن تكلفة صيانة “غريبن” تظل الأقل في فئتها، حتى عند مقارنتها بالمقاتلات الأوروبية، مثل رافال ويوروفايتر.
ومع ذلك، تميل الكفة لصالح هذه المقاتلات المنافسة عند استحضار نقاط مقارنة أخرى. فعلى سبيل المثال، تمتلك “غريبن” حمولة ذخائر ومدى قتاليا أقل مقارنة بكل من “إف-35″ و”رافال” و”يوروفايتر تايفون”، بما يجعلها ملائمة للدول التي تركز على الانتشار الإقليمي والدفاع المحلي، أكثر من التركيز على العمليات البعيدة أو المهام الثقيلة طويلة الأمد. وعلى مستوى الاستشعار، يوفر رادار “رافن” المتاح في “غريبن” تغطية جيدة، لكنه يظل نظاما تقليديا، ولا يصل إلى مستوى منظومة “إف-35″، القادرة على دمج البيانات الرادارية والمستشعرات الحرارية والحرب الإلكترونية في صورة واحدة.
غير أن ميزة التكلفة التي تتمتع بها “غريبن” داخل سوق المقاتلات الغربية، تتراجع عند مقارنتها ببعض البدائل الآسيوية، وعلى رأسها المقاتلة الصينية “تشنغدو جيه-10”. فوفقا للتقديرات المتداولة في تقارير دفاعية، يبلغ سعر النسخة الأحدث من المقاتلة الصينية 60 مليون دولار تقريبا، كما تُقدَّر تكلفة ساعة تشغيلها بنحو 9 آلاف دولار فقط، أي أقل بكثير من متوسط تكلفة التشغيل في معظم المقاتلات الغربية.
وعلى المستوى القتالي، تنتمي الطائرتان إلى فئة الجيل الرابع المتقدم (4.5)، وكلاهما مزود برادار مصفوفة مسح إلكتروني نشط وأنظمة حرب إلكترونية، ولديهما تقريبا القدرة على حمل وزن الذخيرة ذاته، مع سرعة قصوى أعلى قليلا في صالح “جيه-10″، التي تتميز أيضا بقيود تصديرية أقل وتقديم عروض مرنة من حيث توطين التقنية. في المقابل، تتميز “غريبن” بقدرات “تشبيك” غربية متقدمة وتكامل أسهل مع أنظمة الناتو، إضافة إلى سجل تشغيلي أطول وشفافية أكبر في البيانات الفنية.
إستراتيجية “الأسطول المختلط”
ومع ذلك، يجب أن نذكر أن الأسواق الدفاعية لا تتحرك وفق منطق الاحتياج أو الكفاءة التقنية فقط، بل ثمة شبكة معقدة من الحسابات السياسية أيضا، فبعض القوى الكبرى تعمل على حماية نفوذ صناعاتها الدفاعية والحفاظ على زبائنها بكل الطرق. ففي بعض الحالات، خضعت صفقات “غريبن” لمراجعات سياسية داخلية، كما حدث في التشيك، حين أعادت الحكومة النظر في خياراتها بين “غريبن” و”إف-35″، إذ يحمل قرار الشراء تداعيات سياسية إلى جانب شقه العسكري. أضف إلى ذلك أن اعتماد “غريبن” على محرك من إنتاج “جنرال إلكتريك” الأمريكية، يجعل مسألة المرونة أعقد مما تبدو عليه. فوجود مكون أمريكي رئيسي يعني أن أي صفقة تصدير تخضع للضوابط والأنظمة الأمريكية الخاصة بإعادة التصدير.
في السياق ذاته، تظل “غريبن” مقاتلة من الجيل الرابع المعزز، وليست منصة شبحية كاملة بالمعنى الذي تمثله طائرات الجيل الخامس، وفي بيئات قتال معقدة تتضمن أنظمة دفاع جوي متطورة، تُشكل قدرات التخفي المتقدمة عاملا حاسما في اختراق المجال الجوي وتقليل مخاطر الاكتشاف المبكر. إلى جانب أن اعتماد “غريبن” على محرك واحد، رغم ما يمنحه من خفة وزن وانخفاض في الكلفة التشغيلية، يعني من الناحية النظرية هامش أمان أقل إذا تعرض المحرك لعطل أو إصابة، مقارنة بالمقاتلات ثنائية المحرك التي توفر درجة أعلى من الاستمرارية في ظروف القتال الشديد.
ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن “غريبن” لن تفقد جاذبيتها على المدى المتوسط وربما البعيد، فالنزاعات الحديثة، التي باتت تتخذ شكل حروب استنزافية ممتدة، ترفع من قيمة المنصات الأقل تكلفة والأسرع تعويضا. وهذا المنطق يدفع بعض الدول إلى اعتماد ما يُعرَف بـ”إستراتيجية الأسطول المختلط”، أي الجمع بين عدد محدود من المقاتلات المتقدمة مرتفعة الكلفة، وعدد أكبر من الطائرات الأقل سعرا لتأدية المهام اليومية.
الولايات المتحدة مثلا تُشغل مقاتلات شبحية متطورة، مثل “إف-22″ و”إف-35” للمهام عالية الخطورة واختراق الدفاعات المعقدة، مع وجود مقاتلات أقل كلفة من حيث سعر الوحدة وساعة الطيران، مثل “إف-16″، تُستخدم في الدوريات الروتينية وحماية الأجواء. ولذلك، تنظر بعض دول الناتو، مثل كندا، إلى “غريبن”، بوصفها خيارا اقتصاديا مكملا لمقاتلات “إف-35″، وهو ما يمنح المقاتلة موقعا فريدا حتى في صفوف الدول التي تمتلك أساطيل جوية أكثر تقدما.
*المصدر: الجزيرة
