المغالطات العشر لجبهة الانقاذ في مصر

د محمد زويل يكتب

*المغالطات العشر *
تكمن أهمية تصريحات منير فخري عبد النور في أنها صادرة عن أحد أبرز المشاركين في تأسيس جبهة الإنقاذ الوطني، ومن ثم فهي تمثل شهادة من داخل المعسكر الذي أيد عزل الرئيس محمد مرسي.
غير أن قراءة متأنية للحوار تكشف عدداً من التناقضات والمغالطات المنهجية التي تستحق المناقشة.

المغالطة الأولى:

اختزال نجاح 30 يونيو في إسقاط الإخوان
قال:“30 يونيو نجحت في إبعاد التيار الديني عن الحكم.”السؤال:
هل كان الهدف المعلن في 30 يونيو هو إسقاط جماعة بعينها؟
البيان الذي ألقاه وزير الدفاع آنذاك في 3 يوليو 2013 تحدث عن:
* خارطة طريق.
* انتخابات.
* تعديل الدستور.
* المصالحة الوطنية.
* بناء نظام ديمقراطي.
ولم يقل إن الهدف هو إقصاء تيار سياسي.
إذا أصبحت النتيجة الوحيدة التي يفتخر بها أحد قادة 30 يونيو هي “إبعاد الإخوان”، فهذا يعني أن المشروع الوطني تقلص إلى مشروع إقصاء سياسي.

المغالطة الثانية:
تصوير الديمقراطية وكأنها انتهت بمجرد أخطاء مرسي
يردد عبد النور أن مرسي أخطأ منذ اليوم الأول.
لنفترض صحة هذا التقييم.
هل توجد في الفكر الدستوري قاعدة تقول:
“إذا أخطأ الرئيس تُنهى التجربة الديمقراطية.”
تنص المبادئ الديمقراطية على أن:
* الانتخابات هي وسيلة منح الشرعية.
* والانتخابات التالية هي وسيلة سحبها.
ولهذا فإن سوء الأداء لا يساوي سقوط الشرعية الدستورية تلقائيًا.

المغالطة الثالثة:
الادعاء بعدم وجود بديل
يقول:“لم يكن أمام القوى السياسية إلا الوقوف ضده.”
التاريخ يكذب ذلك.
كان هناك بدائل عديدة، منها:
* انتخابات برلمانية جديدة.
* تشكيل حكومة ائتلاف وطني.
* تعديل الدستور عبر الآليات الدستورية.
* الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة بتوافق سياسي.
* استفتاء شعبي على استمرار الرئيس.
صحيح أن نجاح هذه البدائل لم يكن مضمونًا، لكن وجودها ينفي القول بأنه لم يكن هناك سوى خيار واحد.

المغالطة الرابعة:
اعتبار تدخل الجيش حتمية
يقول:“كنا نعرف أنه لا مفر من تدخل الجيش.”
هذا ليس وصفًا لواقعة، بل تقييم سياسي.
فالقول بعدم وجود مفر يفترض أن جميع البدائل الأخرى كانت مستحيلة، وهو أمر لم يثبت تاريخيًا.
كما أن تدخل الجيش في السياسة يظل استثناءً في الفكر الدستوري، ويحتاج دائمًا إلى تبرير دقيق، لأن الأصل في النظم الديمقراطية أن يبقى الجيش خارج التنافس السياسي.

المغالطة الخامسة:
الخلط بين جماعة الإخوان وبين جميع الإسلاميين
يستخدم عبد النور تعبير “التيار الديني”.
وهذا التوصيف يدمج أطرافًا متعددة في كتلة واحدة، بينما الواقع أن الساحة الإسلامية كانت تضم تيارات وأحزابًا ومواقف مختلفة، ولم تكن جميعها على موقف واحد من أداء الرئيس أو من أحداث 2013.
التعميم هنا يحجب الفروق داخل هذا الطيف الواسع.

المغالطة السادسة:
“إرادة الشعب التقت بإرادة الأجهزة”
هذه العبارة اعتراف سياسي بالغ الأهمية.
فهي تقر بأن مؤسسات الدولة كانت صاحبة إرادة في إدارة الأزمة، لا مجرد منفذ محايد لإرادة الجماهير.
وهذا يتعارض مع الخطاب الذي كان يقدّم المؤسسة العسكرية باعتبارها استجابت فقط لمطالب الشارع.
الإقرار بتداخل الإرادتين يغيّر توصيف المشهد من حراك شعبي صرف إلى أزمة شاركت في تشكيل مآلاتها قوى سياسية ومؤسسات دولة.

المغالطة السابعة:
تبرير كل ما تلا 30 يونيو بالإخوان
يعترف عبد النور في نهاية الحوار بأن:
* الفساد مستمر.
* الحريات تراجعت.
* الديمقراطية لم تتحقق.
فإذا كان الإخوان قد خرجوا من السلطة منذ سنوات، فكيف تُفسَّر هذه المشكلات اليوم؟
إرجاع كل الأزمات إلى طرف لم يعد يحكم لا يفسر استمرارها، ولا يغني عن مساءلة السياسات اللاحقة.

المغالطة الثامنة:
تبرير الخيارات الأمنية باعتبارها الوحيدة
يشير عبد النور إلى أن الدولة لم يكن أمامها سوى فض الاعتصامات.
لكن مجرد حديثه عن مبادرات ووساطات يعني أن مسارات سياسية كانت مطروحة.
القول إن خيارًا كان “وحيدًا” يحتاج إلى إثبات أن البدائل قد استُنفدت أو استحال تنفيذها، وهو أمر ما زال محل نقاش بين الباحثين والسياسيين.

المغالطة التاسعة:
غياب المراجعة الذاتية
يُحمِّل عبد النور مرسي والإخوان مسؤولية الإخفاق، ثم يقر بأن أهداف يناير لم تتحقق.
لكن لا يقدم مراجعة واضحة لدور جبهة الإنقاذ، ولا لدور النخب المدنية التي دعمت المسار الجديد.
والمراجعة الجادة لا تكتمل بإدانة الخصم وحده، بل تشمل تقييم قرارات الذات أيضًا.

المغالطة العاشرة:
السياسة تُقاس بالمآلات
في العلوم السياسية لا يكفي أن تكون النوايا حسنة، بل تُقاس القرارات بنتائجها.
فإذا كانت الحصيلة ــ بحسب المتحدث نفسه ــ هي استمرار الفساد، وتراجع الحريات، وضعف المنافسة السياسية، فإن من المشروع مساءلة المسار الذي أدى إلى هذه النتائج، دون أن يعني ذلك تبرئة أي طرف آخر من أخطائه.

المقصود هنا هو رفض اختزال التاريخ في رواية أحادية تُحمِّل طرفًا واحدًا جميع المسؤوليات، بينما تُعفي بقية الفاعلين من المحاسبة.
فأي مراجعة ناضجة لأحداث 2013 ينبغي أن تتناول أخطاء السلطة، وأخطاء المعارضة، وأدوار مؤسسات الدولة، والنتائج التي ترتبت على قرارات الجميع، لأن بناء المستقبل يبدأ بقراءة الماضي قراءةً نقديةً متوازنة، لا بتكرار
سرديات أو استبدال سردية بأخرى.

د محمد زويل – اكاديمي

اترك تعليقا