المصحف ومعركة الحياة (مقال)

كتبه الشيخ محمد الغزالي

المصحف للنفس والمجتمع والدولة

يستطيع أي قارئ للمصحف الشريف من أى قارة على ظهر الأرض أن يستيقن من أن الإسلام ينتظم الحياة العامة والخاصة، وأنه يتناول النفس الإنسانية فى أعمق أغوارها والمجتمع البشر كما فى أوسع دوائره. وتزداد هذه الفكرة رسوخا ووضوحا عند التأمل في سيرة الرسول الذى تلا على الناس قرآنه، وخط فى الحياة منهجه.. والذى ترك ثروة من التعاليم، وفنونا من المسالك الخلقية والسياسية تتسق مع روح المصحف ووجهته، وتشرح عمليا مراد الله من خلقه. ومن الجهل الشائن بعد مطالعة المصحف آية آية، وبعد متابعة النبوة سنة سنة، أن يزعم زاعم أن القرآن كتاب مواعظ نفسية محدودة، أو أن محمدا كان يستهدف وصل الناس بالله عن طريق الدعاء والرجاء.. وحسب !!

إن أوامر الله ونواهيه تتجه إلى البيئة التى يعيش فيها الإنسان كما تتجه إلى الإنسان نفسه..! أجل تتجه إلى البيئة كى تشكلها على صورة معينة، وتفرغها فى قالب محدد كما تتجه إلى الإنسان نفسه بالمحو والإثبات فيما يفعل ويترك!! والحكمة واضحة من ذلك الاتجاه المزدوج. إن العين القوية لا تستطيع الرؤية فى الجو المظلم. لابد من وسط يعين على الإبصار حتى تستطيع استبانة ما تريد. والإسلام فى أوامره ونواهيه، وفى قصصه التى يرويها لنا عن الأمم الأولى والحضارات القديمة، بل فى وصفه لمشاهد الحياة وقوى الكون، يتجه بهذا الأسلوب الجامع الرائع إلى الفرد والمجتمع كى ينشئ أمة تعرف الله الواحد وتتعاون كلا وجزئا على عبادته وإنفاذ شريعته.. لا انفصال فى الإسلام بين الحياة الفردية، والكيان الاجتماعى العام. وإن النبى صلى الله عليه وسلم ليعد بالجنة العين التى باتت ساهرة فى ميدان القتال، كما يعد بالجزاء نفسه العين التى غضت عن محاسن امرأة لا تحل للإنسان.

شرائع الإسلام للوصاية على الضمير، مثل شرائعه في تنظيم البيت، مثل شرائعه فى إقامة العدل السياسى والاجتماعى عند بناء الدولة.. هذه وتلك تنبجس من ينبوع واحد، وتنساق إلى غاية واحدة.. وأى شلل يصيب بعضها فهو ممتد اليوم أو غدا إلى البعض الآخر.. ثم هو نذير بفناء الجميع بعد حين..!!

 

الإمام محمد الغزالي رحمه الله تعالى

معركة المصحف في العالم الإسلامي