“اللوبي” الإسرائيلي في بريطانيا..موازين القوى وصناعة القرار

عريضة تطالب بتحقيق علني في نفوذ اللوبي

الرائد: بين أروقة “وستمنستر” ومكاتب صناع القرار في “داونينج ستريت”، يبرز تساؤل جوهري حول المدى الذي تساهم فيه مجموعات الضغط في توجيه البوصلة البريطانية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لم يعد الأمر مجرد تكهنات، بل بات ملفاً مفتوحاً للنقاش العام بعد سلسلة من الاستقالات السياسية والتحقيقات الصحفية التي كشفت عن شبكة معقدة من المصالح.
يأتي هذا في ظل العدوان على غزة وما خلّفه من آلاف الشهداء ودمار واسع، حيث تتصاعد داخل بريطانيا دعوات لمراجعة طبيعة العلاقة السياسية مع إسرائيل، وسط تساؤلات متزايدة حول تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل على القرار السياسي البريطاني. وفي هذا السياق، تكتسب عريضة برلمانية جديدة زخمًا متصاعدًا، مطالِبة بفتح تحقيق عام في هذا النفوذ وحدوده.
عريضة تطالب بتحقيق علني في نفوذ اللوبي

العريضة، التي أطلقها الناشط آندي خليل تحت عنوان “الدعوة إلى تحقيق عام بشأن تأثير اللوبي المؤيد لإسرائيل على السياسة والديمقراطية”، تطالب بإجراء تحقيق شامل لتقييم نطاق وتأثير شبكات الضغط المؤيدة لإسرائيل في بريطانيا.

وحتى أوائل شباط/فبراير 2026، جمعت العريضة أكثر من 7200 توقيع، ومن المقرر أن تظل مفتوحة حتى 28 تموز/يوليو 2026. ولم تبلغ بعد عتبة 10 آلاف توقيع المطلوبة لإصدار رد حكومي رسمي، ولا 100 ألف توقيع اللازمة لبحثها داخل البرلمان.

غزة وتزايد الانتقادات الدولية لسلوك إسرائيل

يربط نص العريضة بين الدعوة إلى التحقيق وما يصفه بـ“الدمار المروّع في غزة” و“القمع المستمر للفلسطينيين في الضفة الغربية”، معتبرًا أن ردود الفعل السياسية البريطانية تثير تساؤلات حول مدى استقلالية القرار البريطاني.

ويرى الموقعون أن فحص تأثير المنظمات والشبكات المرتبطة بإسرائيل على السياسات الحكومية، وتمويل الأحزاب، والخطاب العام، أصبح ضرورة ديمقراطية في ظل استمرار العدوان على غزة وتزايد الانتقادات الدولية لسلوك إسرائيل.

أذرع النفوذ.. “أصدقاء إسرائيل” في البرلمان

تعد مجموعتا “أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين” (CFI) و “أصدقاء إسرائيل في حزب العمال” (LFI)** من أقوى أدوات الضغط داخل البرلمان البريطاني:
  • التغلغل الحزبي: تشير التقديرات إلى أن نحو 80% من نواب حزب المحافظين هم أعضاء في مجموعة (CFI)، مما يجعلها الكتلة الأكبر والأكثر تنظيماً.
  • التمويل والرحلات: تقوم هذه المجموعات بتمويل رحلات دورية لنواب البرلمان إلى إسرائيل، تهدف إلى تقديم “الرواية الإسرائيلية” للأحداث، وهو ما يراه منتقدون “غسيل دماغ سياسي” يؤثر على قرارات التصويت داخل البرلمان.
التمويل السياسي.. المحرك الصامت
يلعب التبرع المالي دوراً محورياً في تعزيز مكانة الشخصيات المؤيدة لإسرائيل داخل الأحزاب الكبرى:

-دعم الحملات: يضخ رجال أعمال وهيئات مؤيدة لإسرائيل مبالغ ضخمة في صناديق الحملات الانتخابية لمرشحين بعينهم، مما يخلق نوعاً من “الالتزام الأخلاقي والسياسي” تجاه تلك الأجندات.

-الضغط على المعارضة: شهدت السنوات الأخيرة ضغوطاً هائلة على قادة سياسيين (مثل جيريمي كوربين سابقاً) بتهم “معاداة السامية”، وهو ما اعتبره مراقبون استخداماً سياسياً للتهمة لتحجيم الأصوات الناقدة لإسرائيل داخل حزب العمال.

التحقيقات الاستقصائية.. “The Lobby”
أحدث التحقيق الذي نشرته شبكة الجزيرة بعنوان “The Lobby” صدمة في الشارع البريطاني، حيث كشف بالصوت والصورة:
  • محاولات دبلوماسيين في السفارة الإسرائيلية بإنشاء منظمات طلابية وهمية للتأثير على جيل الشباب.
  • التخطيط لـ “إسقاط” نواب بريطانيين يُعتبرون “غير متعاونين” مع الأجندة الإسرائيلية.
  التأثير على الإعلام والجامعات
لا يقتصر الضغط على السياسيين، بل يمتد إلى المؤسسات الفكرية:
  • المراقبة الإعلامية: تعمل منظمات مثل “BICOM” على تزويد الصحفيين ببيانات ومعلومات مصاغة بدقة لضمان تغطية إعلامية تخدم الرؤية الإسرائيلية.
  • الساحة الأكاديمية: تُمارس ضغوط مكثفة على الجامعات البريطانية لتبني تعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست” (IHRA) لمعاداة السامية، وهو تعريف يراه حقوقيون يدمج بين انتقاد سياسات دولة إسرائيل وبين الكراهية العرقية، مما يقيد حرية التعبير للطلاب والمحاضرين.
 التحول في الرأي العام وحركة الاحتجاج
رغم قوة هذا اللوبي، إلا أن المشهد يشهد تحولاً ملحوظاً:

*الشارع مقابل البرلمان: تظهر الاستطلاعات فجوة واسعة بين الموقف الرسمي البريطاني “المؤيد بقوة” وبين الرأي العام الذي يميل بشكل متزايد لدعم الحقوق الفلسطينية، خاصة بعد أحداث غزة الأخيرة.

*تنامي حركات المقاطعة (BDS): تحاول شبكات الضغط استصدار قوانين تمنع الهيئات العامة من مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، مما أشعل معركة قانونية حول “الحريات المدنية” في بريطانيا.

وتأتي العريضة البرلمانية الجديدة ضمن هذا السياق المتكرر من الجدل حول حدود التأثير السياسي الخارجي، في وقت يتصاعد فيه الانقسام داخل بريطانيا بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل في ظل استمرار العدوان على غزة.