اللجنة الدولية: نمط خطير من العنف يستهدف الإغاثة بغزة والسودان

تحذير يعكس تدهور الأوضاع الإنسانية

في تحذير جديد يعكس تدهور الأوضاع الإنسانية، قال المدير العام للجنة الدولية للصليب الأحمر بيير كراهينبول إن العالم يشهد “نمطاً متكرراً من العنف” ضد العاملين في المجال الإنساني، خصوصاً في غزة والسودان،

حيث قُتل هذا الأسبوع خمسة متطوعين من الهلال الأحمر السوداني أثناء أداء مهامهم الإنسانية.

جاءت تصريحاته في مقابلة مع وكالة “فرانس برس” على هامش حوار المنامة في البحرين، في وقتٍ تتصاعد فيه التحذيرات من انهيار منظومات الحماية الإنسانية وتراجع احترام القانون الدولي الإنساني.

وقال كراهينبول: “لقد أصبح الأمر الآن نمطاً من العنف ضد العاملين في المجال الإنساني في السودان وغزة وأماكن أخرى، وهو ما نعتبره مأساوياً للغاية.”

وأضاف: “نحن نتعامل مع واحد من أكثر الصراعات دراماتيكية في عصرنا.”

السودان… العنف يتجاوز حدود الميدان

في السودان، تتصاعد الحرب الأهلية بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، وقد حصدت أرواح الآلاف ودفعت ملايين المدنيين إلى النزوح.

السودان… العنف يتجاوز حدود الميدان

اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكدت أن خمسة من متطوعي الهلال الأحمر السوداني قتلوا في ولاية شمال كردفان، إحدى ساحات القتال الرئيسية.

ووصفت المنظمة ما يجري بأنه هجوم مباشر على العمل الإنساني، مشيرة إلى أن استمرار استهداف المتطوعين يعرقل تقديم المساعدات المنقذة للحياة.

الأوضاع في السودان ازدادت سوءاً بعد سقوط مدينة الفاشر في أيدي قوات الدعم السريع عقب حصار دام أكثر من 18 شهراً. وقد قطعت المدينة بالكامل عن الاتصالات،

وتحدث الناجون الذين فروا إلى بلدة طويلة القريبة عن فظائع مروعة، بينها عمليات قتل جماعي وإطلاق النار على الأطفال أمام ذويهم، والاعتداءات على المدنيين أثناء فرارهم.

وأشار كراهينبول إلى أن هذه الانتهاكات تُظهر أن القانون الإنساني الدولي لم يُحترم مطلقاً في النزاع السوداني، قائلاً: “نحن أمام مستوى من الوحشية لم يعد يُفرّق بين مدني ومقاتل.”

ويرى محللون أن استهداف المتطوعين والعاملين في الإغاثة يعكس انهيار منظومة الردع الأخلاقي في النزاع السوداني.

ويقول الخبير في الشؤون الإفريقية محمد الطيب إن “استهداف الهلال الأحمر يعني ضرب آخر خط دفاع للإنسانية وسط الفوضى، ويؤكد أن الحرب خرجت عن كل الضوابط القانونية والإنسانية.”

غزة… مأساة متكررة تحت الأنقاض

أما في قطاع غزة، فقال كراهينبول إن مستوى الدمار الذي شاهده خلال زياراته الميدانية “فاق كل ما رآه طوال مسيرته الممتدة لأكثر من 25 عاماً في العمل الإنساني”.

وأشار إلى أن الغارات الإسرائيلية المستمرة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت في أكتوبر، أدت إلى دمار غير مسبوق للبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات والملاجئ ومرافق توزيع المياه.

وأضاف: “خلال 30 عاماً من عملي الإنساني، لم أر هذا القدر من الدمار. الاحتياجات هائلة، والمساعدات التي تصل لا تمثل سوى غيض من فيض.”

اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب الأمم المتحدة، حذرت هذا الأسبوع من أن المساعدات إلى غزة لا تزال غير كافية رغم زيادة القوافل الإنسانية بعد الهدنة،

مشيرة إلى أن النقص في التمويل وصعوبات التنسيق مع السلطات الإسرائيلية يعيقان الاستجابة الفعالة.

كراهينبول انتقد كذلك قرار إسرائيل الأخير بمنع الصليب الأحمر من زيارة المعتقلين الفلسطينيين المحتجزين بموجب قانون يسمح بالاحتجاز غير المحدد المدة،

واعتبر أن “منع هذه الزيارات لا يمكن تبريره أمنياً”، مضيفاً أن اللجنة لا ترى أي طريقة يمكن أن تشكل بها زياراتها تهديداً لأمن الدولة الإسرائيلية.

القانون الإنساني في تراجع عالمي

التحذيرات التي أطلقها الصليب الأحمر تتجاوز السودان وغزة لتشمل ظاهرة عالمية من التراجع في احترام القانون الإنساني الدولي.

يقول كراهينبول إن الهجمات على عمال الإغاثة أصبحت “أمراً عادياً”، وأن احترام الحياد الإنساني لم يعد مضمونا حتى في النزاعات التي كانت في السابق تلتزم بحد أدنى من القواعد.

وأضاف: “هناك تراجع واسع في القيم التي تأسس عليها القانون الإنساني، من حماية المدنيين إلى احترام العاملين في الإغاثة.”

الخبيرة في القانون الدولي الإنساني ليلى الزهراني علّقت على ذلك قائلة إن “تكرار هذه الهجمات في مسارح مختلفة  من السودان إلى غزة وأوكرانيا — يؤكد أن العالم يعيش مرحلة من تآكل الأعراف الإنسانية التي أرساها جنيف قبل أكثر من نصف قرن.”

وترى الزهراني أن أحد أسباب هذا التراجع هو تسييس العمل الإنساني، حيث تُتَّهم المنظمات بالانحياز بمجرد قيامها بمهامها في مناطق حساسة، مما يجعلها أهدافاً سهلة للأطراف المتحاربة.

قمة جبل الجليد

في وصفه للوضع في غزة، قال كراهينبول إن ما نراه من دمار ليس سوى “قمة جبل الجليد”، مشيراً إلى أن ما يجري خلف الكواليس  من انهيار منظومات الصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم  يمثل تهديداً وجودياً للأجيال القادمة.

وأوضح أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعمل على زيادة الإمدادات الغذائية والطبية عبر مصر، لكنها تواجه قيوداً كبيرة في التنسيق والتمويل. كما دعا الدول المانحة إلى مضاعفة دعمها المادي واللوجستي للمنظمات الإنسانية العاملة في الميدان.

وفي الوقت نفسه، أكد أن العاملين في الإغاثة لا يسعون إلى المواقف السياسية بل إلى “حماية الإنسان فقط”، مضيفاً: “نحن لا نحكم على أطراف النزاع، بل نحكم على حجم المعاناة.”

صرخة إنسانية

مع تصاعد العنف في السودان واستمرار الدمار في غزة، يرى المراقبون أن تحذير الصليب الأحمر ليس مجرد تصريح دبلوماسي بل صرخة إنسانية موجهة إلى العالم.

يقول المحلل الإنساني سامي مراد إن تصريحات كراهينبول “تسلط الضوء على أزمة ضمير دولي”، موضحاً أن استهداف المتطوعين هو مؤشر على أن “المبادئ التي تحكم العمل الإنساني تتآكل أمام عيوننا.”

وأضاف مراد أن “السكوت الدولي عن هذه الاعتداءات سيؤدي إلى نتائج كارثية، لأن غياب الأمان للعاملين في الإغاثة يعني حرمان ملايين المدنيين من المساعدة في لحظات حاسمة من حياتهم.”

تحذير اللجنة الدولية للصليب الأحمر يعكس واقعاً قاتماً في عالمٍ تتسع فيه رقعة الحروب وتضيق فيه مساحة الإنسانية.

من السودان حيث يُقتل المتطوعون أثناء إنقاذ الجرحى، إلى غزة التي تحوّلت إلى أنقاض، تتكرر الصورة ذاتها: انهيار في احترام الحياة الإنسانية.

ورغم كل القيود، يؤكد العاملون في الميدان أن رسالتهم لم تتغير  إنقاذ الأرواح، وتذكير العالم بأن المعاناة لا يجب أن تكون سلاحاً في أي صراع.

في النهاية، يظل السؤال الذي يطرحه كراهينبول مفتوحاً “إذا لم نحمِ أولئك الذين يحمون الآخرين… فماذا تبقّى من إنسانيتنا؟”