الفاشر تتعرض للعنف والنازحون يواجهون أزمة إنسانية

وسط تقارير عن مقابر جماعية

حذرت منظمة أطباء بلا حدود من أن مصير مئات الآلاف من المدنيين الفارين من العنف العرقي في مدينة الفاشر، غرب السودان، لا يزال مجهولًا، وسط تقارير عن مقابر جماعية مشتبه بها ظهرت في صور الأقمار الصناعية.

وقال جاويد عبد المنعم، رئيس المنظمة المنتخب حديثًا، إن المنظمة تتابع بقلق شديد الوضع: “على الرغم من أن حوالي 5000 شخص خرجوا من الفاشر متجهين إلى طويلة، إلا أننا لا نعرف أين ذهب مئات الآلاف الآخرين”. وأضاف عبد المنعم: “هذه مسألة مقلقة بالنظر إلى الطبيعة العرقية للعنف الذي تتعرض له المدنيون من قبل قوات الدعم السريع“.

مدينة طويلة، الواقعة على بعد نحو 70 كيلومترًا غرب الفاشر، أصبحت نقطة تجمع للنازحين، الذين يجدون أنفسهم عالقين في منطقة قاحلة بالكاد تكفيهم الخيام.

وغالبًا ما تكون الخيام مصنوعة من أقمشة مشمعة وملاءات مرقعة، بحسب مقاطع فيديو نشرتها مجموعات النازحين داخليًا ومخيمات اللاجئين. وتظهر مقاطع الفيديو الأطفال يركضون عبر المخيم بينما يحمل عدد قليل من البالغين قدرًا محدودًا من الطعام، على أمل أن يكون كافيًا لإطعام المئات من النازحين.

العنف والفظائع المبلغ عنها

سيطرت قوات الدعم السريع الشهر الماضي على الفاشر بعد حصار دام 18 شهرًا، وفقًا لتقارير متعددة، مع تسجيل حالات إعدام جماعي وعنف جنسي واختطاف على أساس عرقي. وأفاد الناجون لمنظمة أطباء بلا حدود بأن الكثيرين تعرضوا للتعذيب والاغتصاب والإعدام بإجراءات موجزة.

وأوضح عبد المنعم: “ستة من كل عشرة بالغين تم فحصهم قد ماتوا جوعًا، ولم أرَ شيئًا صادمًا كهذا طوال 15 عامًا من عملي في مناطق النزاعات”.

من جانبه، حذر المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فولكر تورك، من استمرار الفظائع: “لا يزال المدنيون المصابون بالصدمة محاصرون داخل الفاشر ويُمنعون من المغادرة. أخشى أن تستمر الفظائع مثل الإعدامات الموجزة والاغتصاب والعنف بدوافع عرقية”.

وأضاف أن من تمكن من الفرار لا يزال يواجه خطرًا كبيرًا، حيث أن طرق الخروج نفسها تعرضت لانتهاكات وقسوة لا يمكن تصورها.

تتوافق تقارير مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل (HRL) مع هذه المزاعم، حيث رصد وجود “أنشطة للتخلص من الجثث” في المسجد ومستشفى الأطفال السابق، بما يشير إلى مقابر جماعية. وأكد التقرير أن البيانات الأرضية تدعم وجود عمليات قتل منظمة ومنهجية.

النزوح والمعاناة الإنسانية

وفقًا للمنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، فر أكثر من 16,200 شخص إلى مخيمات طويلة منذ 26 أكتوبر، حين استولت قوات الدعم السريع على الفاشر. وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن حوالي 82,000 شخص قد غادروا المدينة والمناطق المحيطة بها حتى 4 نوفمبر، متجهين إلى مناطق أكثر أمانًا بما فيها طويلة.

النازحون يواجهون نقصًا حادًا في الغذاء والدواء والمأوى، حيث تعيش العائلات غالبًا على وجبتين في اليوم، وأحيانًا وجبة واحدة فقط. وأكد آدم روجال، المتحدث باسم المنسقية، أن الدعم النفسي والاجتماعي يعتبر ضروريًا لمواجهة الصدمات النفسية التي تعرض لها النازحون، خصوصًا الأطفال الذين يعانون من صدمة نفسية حادة نتيجة العنف الذي شاهدوه.

وقال أحد الأطباء في منظمة أطباء بلا حدود: “مستويات سوء التغذية بين الأطفال والبالغين مرتفعة للغاية، والقدرة على تقديم الرعاية الصحية محدودة جدًا في هذه الظروف”. وأضاف: “النازحون بحاجة عاجلة للمساعدة، وليس مجرد الطعام والمأوى، بل أيضًا الرعاية النفسية والاجتماعية المستمرة”.

التداعيات السياسية والأمنية

سقوط الفاشر أعطى قوات الدعم السريع السيطرة على جميع عواصم الولايات الخمس في دارفور، ما أثار مخاوف جدية من تقسيم السودان فعليًا على طول محور شرق-غرب. ويرى محللون أن السيطرة على هذه المدن تمنح القوات قدرًا كبيرًا من النفوذ العسكري والسياسي، مع قدرة على التوسع نحو وسط السودان.

جلال غيتاشيو بيرو، محلل شرق أفريقيا لدى بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة، قال إن سقوط الفاشر وتصاعد العنف في شمال كردفان يمثلان انتصارًا استراتيجيًا لقوات الدعم السريع، لكنه يزيد أيضًا من معاناة المدنيين. وأضاف: “ما لا يقل عن 2,000 شخص قتلوا في جميع أنحاء السودان خلال أسبوع واحد بين 26 أكتوبر و1 نوفمبر”. وأوضح أن الأحداث الأخيرة تُظهر قدرة الدعم السريع على التوسع نحو وسط السودان، مما يهدد باستعادة العنف في مناطق كانت أكثر استقرارًا نسبيًا.

امتد النزاع أيضًا إلى شمال كردفان، حيث أسفر هجوم بطائرة بدون طيار على الأبيض عن مقتل 40 شخصًا على الأقل وإصابة العشرات. واعترض الجيش طائرتين بدون طيار صينيتين الصنع كانتا تستهدفان الأبيض. وأكد بيرو أن هذا الهجوم يشير إلى أن الصراع لم يعد محصورًا في دارفور، بل أصبح يهدد مناطق جديدة في السودان، مع انعكاسات كبيرة على المدنيين والبنية التحتية.

آراء المنظمات الدولية

تواصل منظمة أطباء بلا حدود تقديم المساعدات الطبية للنازحين، لكنها تحذر من أن الوصول إلى الفاشر لا يزال محدودًا بسبب انقطاع الاتصالات والخطر الأمني. وقال عبد المنعم: “الوضع في الفاشر كارثي، والناجون بحاجة إلى الدعم الفوري، ونحن نعمل مع الشركاء المحليين لتقديم ما يمكن من المساعدات”.

المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الصحة العالمية أكدت على ضرورة تعزيز المساعدات الإنسانية، مع التركيز على الغذاء والماء والدواء والرعاية النفسية. ووصفت المفوضية الوضع بأنه أحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث النزوح الجماعي والفقدان الكبير للممتلكات والبنية التحتية يعقد جهود الإغاثة بشكل كبير.

من ناحية أخرى، دعا مسؤولون أمميون المجتمع الدولي إلى الضغط على قوات الدعم السريع لوقف انتهاكات حقوق الإنسان والسماح بمرور المساعدات الإنسانية بشكل آمن. وأشاروا إلى أن تجاهل الأزمة قد يؤدي إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، مع ارتفاع معدلات الوفيات بين النازحين بسبب الجوع والمرض.

تظل مدينة الفاشر ومحيطها مسرحًا لصراع دموي له أبعاد عرقية واستراتيجية في السودان، حيث اختفى مئات الآلاف من المدنيين ويعيش النازحون في ظروف قاسية وسط نقص الغذاء والمأوى والرعاية الصحية. العنف مستمر، سواء داخل المدينة أو على طرق النزوح، مع استمرار التقارير عن التعذيب والإعدام والاغتصاب.

تؤكد المنظمات الإنسانية أن الوضع الحالي يتطلب تدخلًا عاجلًا لحماية المدنيين وتقديم الدعم الإنساني، وإلا فإن الأزمة الإنسانية قد تتفاقم بسرعة. كما تشير التطورات الأخيرة إلى خطر توسع النزاع نحو وسط السودان، ما يهدد استقرار البلاد ويضع المدنيين في مواجهة تهديد مزدوج: العنف المباشر ونقص المساعدات الأساسية.

آراء الخبراء والمنظمات الدولية تتفق على أن الحلول قصيرة المدى لن تكون كافية، ويجب العمل على مسارين متوازيين: حماية المدنيين وتوسيع المساعدات الإنسانية، إلى جانب جهود دبلوماسية وسياسية لوقف النزاع وتحقيق استقرار مستدام في السودان.