العراق ـ الكويت: الماضي يطارد خلافات الحاضر؟
رأي صحيفة
ظهرت أزمة جديدة غير متوقعة بين العراق والكويت بدأت نهاية الأسبوع الماضي مع إعلان بغداد إيداع خرائط حدودها البحرية لدى الأمم المتحدة، وتبع ذلك إعلان الكويت احتجاجا رسميا على هذه الخطوة تزامن مع استدعاء القائم بالأعمال العراقي لديها.
اعتبرت الكويت أن الإحداثيات والخرائط العراقية المودعة تمس بسيادتها على مناطق بحرية ثابتة ومستقرة ولم تكن محل خلاف ودعت بغداد إلى احترام التفاهمات والاتفاقات الثنائية بين البلدين، ورد العراق بالقول إن إيداع خرائطه مستند إلى قرارات وقوانين وطنية واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، معتبرا بدوره تلك المجالات البحرية شأنا سياديا.
كانت الكويت قد سبقت العراق إلى إيداع خرائطها المتعلقة بالمنطقة الاقتصادية والجرف القاري الكويتي لدى الأمم المتحدة في العام 2014، ولم يقم العراق أو أي دولة أخرى بالاعتراض، وواضح أن تقديم العراق خرائطه أظهر تداخلا بين الخرائط المقدمة وتلك التي قدمتها الكويت، وهو ما اعتبرته الكويت تغييرا على وضع سابق.
يسلط هذا الخلاف المستجد الضوء على القضايا الحدودية الإقليمية عموما لأسباب منها غناها بالغاز الطبيعي، كما جرى في قضية حقل الدرة الغازي، الذي عاد الخلاف حوله الذي بدأ في حقب الستينيات من القرن الماضي للتصاعد في العام 2023 وكان أطرافه حينها، السعودية والكويت، من جهة، وإيران، من جهة أخرى، وتضيف تصريحات لبعض المسؤولين العراقيين، بغداد إلى رقعة التفاوض على هذا الحقل وغيره.
أدى التوتّر الأخير، بطبيعة الحال، إلى أشكال من التصعيد الإعلامي والشعبي بين البلدين العربيين، وهي حملات يحضر في خلفيتها، بالضرورة، إرث النزاع الرهيب الذي جرى في عام 1990 حين اجتاحت القوات العراقية في عهد صدام حسين الحدود الكويتية وسيطرت على البلاد خلال يومين، ما أدى إلى تشكّل “تحالف دولي” بقيادة الولايات المتحدة وإلى اندلاع ما يسمى حرب الخليج الثانية التي انتهت بتحرير الكويت في عام 1991.
أدى الغزو إلى تغيير جذري في خريطة الخليج العربي، ونتج عنه حصار دولي طويل الأمد على العراق، وهو ما ساهم في صعود تنظيم “القاعدة”، الذي بدأ تنفيذ عملياته في البلدان العربية والعالم، وكانت ذروتها عملية تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وكان ذلك الحدث مفجّرا لحربي الاجتياح الأمريكي – الغربي لأفغانستان والعراق، وهي أحداث غيّرت العالم وتسببت بكوارث بشرية واقتصادية وسياسية ما زالت المنطقة العربية تعاني من تداعياتها.
يساهم هذا السياق التاريخي في إحساس الكويت بالقلق من أي شيء يتعلق بسيادة البلاد وحدودها، وخصوصا حين يأتي الأمر من العراق. من المتوقع أن يستعيد العراقيون، بالطريقة نفسها، المزاعم التي رددها نظام حزب “البعث”، لتبرير اجتياحه للكويت، حول سرقة موارد العراق، وعدم تقدير الخسائر الكبرى التي حلت به خلال الحرب مع إيران.
من الممكن أيضا أن يربط الكويتيون توقيت الحدث، بصراعات القوى السياسية العراقية، أو حتى بصراعات الإقليم، في وقت تعيش فيه المنطقة أجواء حرب مدمرة جديدة تشارك فيها الولايات المتحدة، مجددا، ولكن هذه المرة ضد إيران، وهو ما ينعكس أيضا في الصراع على منصب رئاسة الوزراء، في وقت اعتبرت فيه أمريكا اختيار “الإطار التنسيقي” الشيعي لنوري المالكي، للمنصب، شكلا من التحدّي الإيراني، ومحاولة لتوظيف الساحة العراقية في الصراع الكبير الذي يجري.
طالبت السعودية والكويت، إيران، في العام 2023، بالتفاوض وترسيم الحدود البحرية، وربما كان الأفضل للكويت، وخصوصا بعد إبداء دول الخليج (ومصر) دعمها لها في النزاع المستجد مع العراق، أن تطالب جارتها الكبيرة بالتفاوض بطريقة أخوية وحضارية، وهو خيار ممكن، إضافة إلى التحكيم الدولي، الذي سيصدر قرارا ملزما للجميع.
القدس العربي