العدالة والتنمية التركي يصعّد رفض التطبيع بإلغاء توأمة تل أبيب
في خطوة تحمل أبعاداً سياسية
- السيد التيجاني
- 25 يونيو، 2026
- تقارير
- أبعادًا سياسية, إسرائيل, التأثير الاقتصادي المحتمل, تركيا, توأمة تل أبيب, حزب العدالة والتنمية
في خطوة تحمل أبعاداً سياسية ورمزية تتجاوز حدود الإدارة المحلية، تقدمت الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية التركي بمقترح رسمي لإلغاء اتفاقية التوأمة بين بلدية إزمير ومدينة تل أبيب، مع الدعوة إلى إعلان جميع المدن التركية خالية من أي اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل. ويأتي هذا التحرك في ظل تصاعد الغضب الشعبي في تركيا تجاه الحرب في قطاع غزة، وتزايد الضغوط على الحكومة والأحزاب السياسية لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه إسرائيل.
ويعكس المقترح استمرار القضية الفلسطينية كأحد أبرز الملفات في الخطاب السياسي التركي، حيث أكد نواب الحزب أن المبادرة تمثل موقفاً أخلاقياً وسياسياً يتماشى مع توجهات الدولة التركية الداعمة للحقوق الفلسطينية، وأنها ستُطرح خلال أول اجتماع لمجلس بلدية إزمير من أجل التصويت عليها.
القضية الفلسطينية في صلب سياسة الحزب
منذ تأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001، شكلت القضية الفلسطينية ركناً ثابتاً في سياسته الخارجية، مستنداً إلى خلفيته المحافظة التي ورثت كثيراً من أفكار التيار الإسلامي التركي. وخلال أكثر من عقدين من حكم الحزب بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، برزت فلسطين باعتبارها أحد أهم الملفات التي يستخدمها الحزب للتأكيد على استقلالية القرار التركي ودوره الإقليمي.
وعلى الرغم من أن العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين أنقرة وتل أبيب شهدت فترات من التحسن والتراجع، فإن الخطاب السياسي للحزب بقي شديد الانتقاد للسياسات الإسرائيلية، خاصة بعد الحروب المتكررة على قطاع غزة.
لماذا الآن؟
يرى البروفيسور أحمد قاسم خان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في أنقرة، أن توقيت المبادرة ليس عشوائياً، بل يرتبط بجملة من الاعتبارات الداخلية والخارجية.
ويقول خان إن حزب العدالة والتنمية يسعى إلى استعادة جزء من زخمه الشعبي بعد النتائج التي حققتها المعارضة في الانتخابات المحلية، خاصة في المدن الكبرى مثل إسطنبول وإزمير وأنقرة.
ويضيف أن تبني مبادرات داعمة لفلسطين يمنح الحزب فرصة لإعادة توحيد قاعدته الشعبية المحافظة، ويحول الأنظار نسبياً عن التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، مثل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
صراع مع بلديات المعارضة
تكتسب المبادرة بعداً سياسياً إضافياً لأنها تستهدف بلدية إزمير، التي تُعد أحد أبرز معاقل المعارضة التركية، وتخضع لإدارة حزب الشعب الجمهوري.
ويرى المحلل السياسي التركي الدكتور مراد أصلان أن المقترح يضع بلديات المعارضة في موقف حساس، إذ سيكون من الصعب عليها رفض المبادرة دون التعرض لانتقادات شعبية تتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية، بينما قد ترى في الوقت نفسه أن العلاقات الدولية للبلديات يجب ألا تتحول إلى ساحة للصراع الحزبي.
ويشير أصلان إلى أن الخلاف لا يتعلق فقط بإسرائيل، بل يمتد إلى طبيعة الصلاحيات التي تمتلكها الإدارات المحلية في إدارة علاقاتها الخارجية.
البعد القانوني والإداري
من الناحية القانونية، يؤكد الخبير في القانون الدستوري التركي الدكتور محمد يافوز أن اتفاقيات التوأمة بين المدن تدخل ضمن اختصاصات البلديات، لكنها تبقى خاضعة للقوانين الوطنية ولقرارات المجالس البلدية.
ويضيف أن إلغاء أي اتفاقية يتطلب تصويتاً داخل المجلس البلدي، ما يعني أن نجاح المبادرة سيعتمد على موازين القوى السياسية داخل كل بلدية، وليس فقط على موقف الحكومة المركزية.
انعكاسات على السياسة الخارجية
ويرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور إسماعيل شاهين أن المبادرة، حتى وإن بقيت في إطارها المحلي، تحمل رسائل سياسية إلى الخارج، مفادها أن المزاج السياسي التركي يتجه نحو مزيد من التشدد تجاه إسرائيل.
ويشير إلى أن أنقرة تحاول الموازنة بين استمرار علاقاتها الاقتصادية مع العديد من الدول الغربية وبين الحفاظ على صورتها كداعم رئيسي للقضية الفلسطينية في العالم الإسلامي.
ويضيف أن التحركات الرمزية، مثل إنهاء اتفاقيات التوأمة، أصبحت إحدى أدوات التعبير السياسي التي تلجأ إليها الأحزاب في ظل تعقيد الملفات الدبلوماسية.
التأثير الاقتصادي المحتمل
رغم أن اتفاقيات التوأمة ذات طابع ثقافي وإداري في الأساس، فإن بعض الخبراء يحذرون من انعكاسات غير مباشرة إذا توسعت الدعوات لإنهاء أشكال التعاون المختلفة مع إسرائيل.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور أوزجان أوزدمير إن العلاقات التجارية بين تركيا وإسرائيل تشمل قطاعات متعددة، وإن أي تصعيد سياسي قد يؤثر على ثقة المستثمرين أو على بعض المشاريع المشتركة، حتى وإن لم يصدر قرار حكومي بوقف التعاون الاقتصادي.
لكنه يؤكد في المقابل أن الاقتصاد التركي يتمتع بتنوع كبير يسمح له باستيعاب مثل هذه التطورات إذا بقيت ضمن الإطار السياسي المحلي.
ردود الفعل
أثار المقترح نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية التركية. فقد رحبت به الأحزاب المحافظة والقوى المؤيدة للحكومة، معتبرة أنه يعبر عن الموقف الشعبي الرافض للتطبيع مع إسرائيل.
في المقابل، اعتبرت شخصيات من المعارضة أن البلديات يجب أن تركز على الخدمات المحلية، وأن العلاقات الخارجية ينبغي أن تبقى ضمن اختصاص الحكومة المركزية، محذرة من استخدام المجالس البلدية في الصراعات السياسية.
كما انقسمت آراء الشارع التركي بين من يرى أن الخطوة تمثل موقفاً أخلاقياً داعماً للفلسطينيين، ومن يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة الأوضاع الاقتصادية الداخلية.
أبعاد انتخابية
ويرى الباحث في الشؤون التركية الدكتور برهان الدين دوران أن المبادرة قد تدخل ضمن استعدادات مبكرة للاستحقاقات السياسية المقبلة، حيث تسعى الأحزاب إلى تعزيز حضورها لدى قواعدها الانتخابية.
ويؤكد أن القضية الفلسطينية لا تزال تحظى بتأييد واسع داخل المجتمع التركي، وهو ما يجعلها من أكثر الملفات تأثيراً في الخطاب السياسي، سواء لدى الأحزاب الحاكمة أو المعارضة.
مستقبل المبادرة
يتوقع مراقبون أن تواجه المبادرة نقاشات قانونية وسياسية مطولة داخل المجالس البلدية، خصوصاً في المدن التي تديرها المعارضة. وحتى إذا لم تُعتمد في جميع البلديات، فإنها ستفتح الباب أمام جدل أوسع حول حدود الدبلوماسية المحلية، ودور البلديات في التعبير عن مواقف السياسة الخارجية.
وفي المجمل، يعكس تحرك حزب العدالة والتنمية استمرار توظيف القضية الفلسطينية كأحد أبرز عناصر الخطاب السياسي التركي، في وقت تشهد فيه البلاد تحديات اقتصادية واستقطاباً سياسياً متزايداً. كما يبرز التداخل بين الاعتبارات الداخلية والسياسة الخارجية، حيث تتحول المبادرات المحلية إلى أدوات للتنافس السياسي وصياغة الرسائل الإقليمية والدولية.
