الصين وباكستان تؤكدان دعم مسار الحوار الإيراني

لمنع عودة التوتر

يأتي التأكيد المشترك من باكستان والصين على ضرورة تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة وإيران في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، حيث تسعى الأطراف المعنية إلى تحويل التفاهمات الأولية إلى مسار سياسي ودبلوماسي أكثر استدامة. وتعكس المكالمة الهاتفية بين نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني السيناتور محمد إسحاق دار ونظيره الصيني وانغ يي وجود توافق بين إسلام آباد وبكين على أهمية استثمار المناخ الإيجابي الحالي لمنع عودة التوتر بين واشنطن وطهران.

دلالات الموقف الباكستاني

منذ بداية الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران، حاولت باكستان تقديم نفسها كوسيط موثوق يمتلك علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف. ويعكس إشادة إسحاق دار بالدعم الصيني رغبة إسلام آباد في تعزيز دورها الدبلوماسي على الساحة الدولية وإثبات قدرتها على الإسهام في معالجة الأزمات الإقليمية المعقدة.

ويرى مراقبون أن نجاح باكستان في لعب دور الوساطة يمنحها زخماً سياسياً جديداً، خاصة في ظل سعي الحكومة الباكستانية إلى تعزيز مكانتها الإقليمية بعد سنوات من التحديات الاقتصادية والأمنية.

الصين.. دعم للاستقرار وحماية للمصالح

من جانبها، تنظر الصين إلى أي تقارب أمريكي إيراني باعتباره عاملاً مهماً في حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. فبكين تعد أحد أكبر الشركاء التجاريين لإيران، كما أن استقرار منطقة الخليج ينعكس مباشرة على أمن الطاقة الصيني وسلاسل الإمداد العالمية.

ويشير محللون إلى أن إشادة وانغ يي بالجهود الباكستانية لا تنفصل عن الرؤية الصينية الأوسع التي تفضل الحلول الدبلوماسية على المواجهات العسكرية، خاصة في المناطق الحيوية للاقتصاد العالمي.

ردود فعل دولية وإقليمية

رحبت عدة عواصم إقليمية ودولية بالمؤشرات الإيجابية للتفاهم بين واشنطن وطهران، معتبرة أن خفض التصعيد من شأنه تقليل مخاطر اندلاع مواجهات واسعة في الشرق الأوسط.

في المقابل، أبدت بعض الأطراف الإقليمية تحفظات بشأن أي اتفاق لا يتضمن قيوداً صارمة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، محذرة من أن أي تفاهمات غير واضحة قد تؤدي إلى أزمات جديدة في المستقبل.

كما تنظر الأسواق العالمية بإيجابية إلى أي تقدم في العلاقات الأمريكية الإيرانية، نظراً لتأثير ذلك على أسعار النفط وحركة التجارة الدولية وأمن الملاحة البحرية.

يرى الخبير الباكستاني في العلاقات الدولية الدكتور حسن عسكري رضوي أن الدعم الصيني للمبادرة الباكستانية يعزز فرص نجاح أي مسار تفاوضي، موضحاً أن بكين تمتلك نفوذاً متزايداً لدى مختلف الأطراف الإقليمية.

أما الباحث الصيني البروفيسور وانغ جيسي فيعتبر أن الاستقرار في الشرق الأوسط أصبح ضرورة استراتيجية للصين، وأن دعم الجهود الدبلوماسية يتوافق مع نهج بكين القائم على تقليل بؤر الصراع وحماية المصالح الاقتصادية.

ويقول الباحث الأمريكي جون ألترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن نجاح التفاهمات سيعتمد على قدرة واشنطن وطهران على الانتقال من الاتفاقات السياسية العامة إلى إجراءات عملية قابلة للتحقق والتنفيذ.

من جهته، يرى الخبير الإيراني صادق زيباکلام أن استمرار الحوار يمثل فرصة نادرة للطرفين، لكنه يحذر من أن انعدام الثقة المتراكم على مدى عقود قد يعرقل الوصول إلى اتفاق شامل ومستدام.

تحديات أمام التنفيذ

رغم الأجواء الإيجابية، لا تزال هناك عقبات كبيرة أمام تثبيت التفاهمات، أبرزها:

الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.

آليات رفع العقوبات الاقتصادية.

الضمانات الأمنية المتبادلة.

تأثير القوى الإقليمية المتضررة من التقارب.

التغيرات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وإيران.

السيناريوهات المتوقعة

السيناريو الأول: نجاح تدريجي

يتم تنفيذ التفاهمات على مراحل، مع توسيع قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران، ما يؤدي إلى خفض التوتر وتحسين الاستقرار الإقليمي.

السيناريو الثاني: تعثر محدود

تحقق الأطراف تقدماً في بعض الملفات بينما تبقى القضايا الأكثر حساسية عالقة، مما يبقي الاتفاق في حالة هشة وقابلة للانتكاس.

السيناريو الثالث: انهيار التفاهمات

تؤدي الخلافات السياسية أو الضغوط الإقليمية إلى توقف المسار التفاوضي وعودة التصعيد، وهو السيناريو الذي تحاول باكستان والصين تجنبه عبر الدفع نحو التنفيذ السريع للتفاهمات.

تكشف الاتصالات الباكستانية الصينية الأخيرة عن وجود إرادة سياسية لدعم التفاهم الأمريكي الإيراني وتحويله إلى مسار مستدام يساهم في استقرار الشرق الأوسط. وبينما تبدو الفرصة متاحة لتحقيق اختراق دبلوماسي مهم، فإن نجاح هذه الجهود سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز إرث طويل من الخلافات وبناء الثقة من خلال خطوات عملية ومتبادلة.

وفي هذا السياق، تبرز باكستان والصين كطرفين يسعيان إلى لعب دور داعم للحوار، في وقت يترقب فيه العالم ما إذا كانت هذه التفاهمات ستقود إلى سلام دائم أم مجرد هدنة مؤقتة.